هل يُغيّر ترامب صورته؟

بقلم/ بسام رجا
مُعادلات “التموضع” الأميركي التي أطلّت برأسها تحتل حيِّزاً هاماً في إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومؤشّرات تحرّك البيت الأبيض لتسوياتٍ سياسيةٍ مع الصين في ما يخصّ التبادُل التجاري وخَفْض حدَّة العقوبات والرسوم التجارية بين الطرفين، ظهرت مؤخّراً في تصريحات الأخير على أكثر من منصَّةٍ إعلاميةٍ نشرتها وكالة “بلومبيرغ” اعتبر فيها أن المناخات السياسية بين البلدين بدأت تتَّجه تدريجاً نحو فك العُقد التي أسهمت في توتير العلاقات التجارية.
وإنْ أخذت بكين ببعض هذه الملامِح إلا أنها حَذِرة من الانفتاح على واشنطن في ظلّ التدخّلات الأميركية في هونغ كونغ، وكذلك نشر القواعد الصاروخية في كوريا الجنوبية.
وما يشهده بحر الصين الجنوبي من محاولات الحد من القدرات الصينية والمساحات الحيوية التي من شأنها أن توفّر شبكة أمان لمشروع “طريق الحرير” للتعاون الآسيوي والأوراسي، تنظر إليه بكين على أنه خطوة مدروسة من الرئيس ترامب وهو على أعتاب أجواء انتخابية في العام 2020 للتخفيف من حدّة التوتّر في شمال شرق آسيا وجنوبها الشرقي ووسطها.
ويبدو أن الإدارة الأميركية التي فتحت النار على معظم شركائها السياسيين والتجاريين بدأت تُعيد خطوط الوصل على نارٍ هادئة، وهي التي ترقب تصريحات بعض القادة الأوربيين والاستياء من التهديدات التي تُطلَق من واشنطن بين الحين والآخر حول أمن أوروبا وما توفّره الولايات المتحدة الأميركية من استقرارٍ يشكّل حلف الناتو رأس حربته، ما دفع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى إطلاق تصريحه الشهير حول الموت الدماغي للحلف، وهذا التصريح خلق حالاً من التضارُب في الاتحاد الأوروبي الذي صرَّح قُطبه الرئيس على لسان المُستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن الحلف ضرورة للاتحاد الأوروبي والتنسيق في هيئاته على مستويات عُليا.
ومع أن المُعادلات السياسية للإدارة الأميركية وقراءة إدارة الرئيس ترامب لا تذهب إلى التهدئة في ملفات مُتشابِكة وعلى رأسها الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإحراج موقّعيه مع طهران إلا أن بعض الاستجابة لإمكانية تدوير الزوايا في الملف النووي ظهرت بعض مؤشّراتها وفق تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي قال: “إن واشنطن تدرس مُقترحات الرئيس الفرنسي حول الحدّ من العقوبات ومَنْح بعض الاستثناءات لتصدير النفط الإيراني”، ما ردّ عليه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بالقول إن المُقايضات لن تحلّ التهرّب من الإيفاء بالالتزام الأميركي الذي يعلن أنه سيواصل حصار الجمهورية الإسلامية في إيران.
وهذه الحلول الجزئية تدخل من نافذة الالتفاف على الاتفاق وليس الوصول إلى حلولٍ تضمن حق طهران وفق الاتفاق الذي وقِّع في عهد إدراة الرئيس الأسبق باراك أوباما.
حراك مُتواصَل لعَجَلة السياسية الأميركية في تجاوز سَيْل القضايا والمشاكل التي أوجدتها إدراة الرئيس ترامب، وهي تُدرِك أنها غير قادِرة على فرض سياسة الاحتواء كسابق عهدها مع صعودٍ اقتصادي وسياسي كبيرين للصين والهند وروسيا، وتملمُل بعض شركاء واشنطن من السياسات الحمائية.
هذا المشهد قرأه بدقّة الرئيس الأميركي الذي يعتبر أن قوَّة أميركا في امتدادها وحضورها العسكري والاقتصادي في العالم، والعودة إلى ما طرحه ثعلب السياسة الخارجية الأسبق هنري كسينجر وكذلك مُستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر زبيغنيف بريجينسكي.
وما يُسرِّع من محاولة الوصول إلى مناخات “ثقة” هو الهروب إلى الأمام من ملفاتٍ ثقيلة تُحاصِر إدارة الرئيس ترامب بعد أن فتحت النار عليه من الحزب الديمقراطي وكتلته البرلمانية في الكونغرس لسحب الثقة بعد توجيه رزمة من التّهم أكثرها تفاعلاً ضغوط الأخيرعلى الرئيس الأوكراني زيلينسكي لإدانة جو بايدن المُرشّح الديمقراطي للرئاسة في قضايا تبييض أموال تخصّ نجل جو بايدن.
ووفق التقديرات أن البيت الأبيض وضع سيناريوهات عدَّة للإفلات من التّهم ولن تستطيع نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب أن تخرجه من حلم الرئاسة الثانية.
ولا يعني ما طرحناه سالِفاً أن الرئيس الأميركي يدفع إلى تبييض صفحته، والمباشرة بسياساتٍ استراتيجيةٍ تقفل بوابات فتحها منذ بداية عهده الرئاسي، بل إنه ينظر إلى مرحلة الخطوات القادمة التي تقدّمه للناخِب الأميركي على أنه يدخل مرحلة انتخابية جديدة بعيداً عن التوتّرات الدولية، ولكن في استنباط سياسات في دائرة التمدّد الهادئ، وهو الذي طرح أهمية قوَّة الاقتصاد الأميركي وتصفير البطالة وإيجاد فُرَص عمل وتقليص التواجُد الأميركي العسكري في بؤَر التوتّر. ولكن هذه التطلّعات كانت بين مدٍّ وجزرٍ، بل في حال قلق مع التبدّلات العميقة التي حصلت في الإدارة المُرتَبِكة وتبدَّت في حصيلة الاستقالات والإعفاءات لمسؤولين كان يصفهم الرئيس الأميركي بالعباقِرة.
قد يذهب الرئيس دونالد ترامب إلى تهدئةٍ على جبهاتٍ عدَّة، وهذه التهدئة يفتتحها على جبهة أفغانستان ومحاولة الوصول إلى اتفاق مع طالبان. وكذلك إرسال الإشارات إلى أن سياسته مع حلفائه لن تتجاوز الخطوط الحمر.
هل يستطيع الرئيس ترامب أن يظهر بصورةٍ مُغايرة لما قدَّم نفسه خلال ثلاث سنوات، وهو الذي يتأبَّط مشروع الهيمنة والتقسيم والاحتواء ودعم كيان الاحتلال حتى انقطاع النفس؟
المؤشّرات تقول إنه سيعمل مع فريقه على تصدير صورة يظهر فيها أنه الرجل الذي يمتلك زِمام “المُبادرة” ولن يستسلم في أن يكون خارج البيت الأبيض.



