تحت سنابل القمح ” حرث في أحد جوانب الريف العراقي

المراقب العراقي/ محمود الهاشمي…
الخوف رسم خارطة الرواية وقيّد الثيمة، إلى الجانب الأخلاقي والمجتمعي.
يقول منزوني: ان كل عمل فني يمثل حالة خاصة والحكم عليه يجب أن يكون حسب جدارته وقيمته. هناك سبب من أجله جاء العمل الفني وإذا أنتحل المؤلف أسباباً أخرى فأنها من دون شك تكون الحقيقة؛ وإذا أثر فينا العمل تأثيراً مطلقاً فهي هذه نيّات الكاتب.
ان الفكرة التي دعت إلى نسج رواية تحت سنابل القمح على أساس هذا الشكل والتفاعل الإيجابي بين أطال الرواية مع الحدث وضّح ما خطط له موسى الهاشمي بزمن كاف؛ كما أن الحوار على جماله، رغم قصره وشحته، والبناء الدرامي، والتنقلات السريعة والخاطفة؛ كل ذلك جاء متلازما ورصيناً يشد بعضه بعضا. وهذا ما لمسناه في رواية (طريق التبغ، ورواية أرض المآسي) أيضاً .. ارسكين كالدويل ، الكاتب الشهير، الحائز على جائزة نوبل للآداب.
أن التفاعل الوجداني العميق بين الإنسان والحدث أحد الأساليب الحديثة التي أخذ بها المؤلف الهاشمي حيث أغنى موضوع الرواية وعزز قيمتها الفنية وعمّق أصالتها.
المؤلف قال كلمته بحرية مطلقة وحمّلها رسائل مشفرة عديدة وقمّة ذلك الخوف الذي ترسب في أعماق نفوس أبناء الريف العراقي وعلى الطريقة التراكمية. وهنا جاء اختيار الزمان والمكان موفقاً وفي مكانيهما المناسبين، رسم خارطة الطبيعة بخيال واسع ومعــرفة دقيقة؛ وجاء وصف البيئة مكمـــلاً لمصداقيتها وعمقها وبريقها، ومنحها مرونة واسعة، وفتح مجال البحث عريضاً في أحد أهم الجوانب في شخصية أبن الريف العراقي.
الرواية لم ترد الخوف، تنطق به مباشرة بيد أنها المِعت وامطرت.
أن الاقطاع أحد أهم أسباب تخلف الريف العراقي واشاعة الفقر وغرس الخوف الدائم. فكما جاء في الرواية أن الشيخ مرهج السلمان يقطن في مضان مضارب عشيرته ويمارس التسلط بشكل مباشر وفي العلن وهو السلطة المطلقة التي تضاهي سلطة الدولة.
فموت الفلاح في مضيف الشيخ لم يعقبه تحقيق من جانب الدولة كما بينتــه الرواية. وأرى أن المؤلف أصاب كبد الحقيقة الغائبة عن أغلب الباحثين. وهذا الخوف ما زال راسياً وقائماً في نفوس كبار السن حتى هذه الساعة؛ وقد حَمَلَه النازحون من أبناء الريف إلى المدن ولقنوه أبناءهم، نلمسه بوضوح في التوّجس من كل سلطة وحكومة ورئيس دولة.
عاشت حليمة في كنف زوج مدقع لم يلبسها ثوباً جديداً بعد زواجها منه وظلت تصلح ما لديها من ثياب برقع بالية لكن رغم ذلك كان يسد حاجتها في الفراش وأن جاءت متباعدة جدا وفجأة تجد نفسها أرملة بلا زوج. بعد عام من الحرمان والإحساس بالوحدة يصلها بلاغ من الشيخ، وتحت ضغط الرغبة المشتعلة في جسدها تقبل باللقاء . الشيخ ليس مثل أي رجل، سيحميها من مجتمع القرية المقيد للمرأة، لا يعترف لها بأي رغبات. كانت تخشاه على حياتها. الشيخ سداً منيعاً لا يمكن أن يطاله لسان.
أما حليمة فقد اختارت التحدي، نبذ الواقع برمته حيث أدارت له ظهرها واختارت الحرية، لم تجد أمامها فرصة غير التمرد على الواقع المرير، الهروب من العادات والتقاليد الصارمة إلى الحرية المطلقة.
الشيخ يريد المحافظة على نقاء سمعته خوفاً شديداً وهدد حليمة بالموت الزؤام أن أفشت شيئا مما جرى بينهما. (ادفني سر علاقتنا، ضعيه في جب وإلا دفنتك في الجب بدلا عنه).
وما خرجنا به من الرواية أن جميع أبطالها يهرعون إلى السرية. وكان كل واحد منهم يخشى على نفسه من الآخر فيغطي على حياته الخاصة بأي وسيلة متاحة، ويظهر بمظهر الطاهر الشريف أمام الآخرين.
ونستطيع أن نضيف أن تمسك أهل الريف بالأوهام والخرافات هو أحد أنواع التنفيس عن الكبت المتراكم داخل نفوسهم، وهو ايضاً نوع من تحقيق الذات المشبعة بالإذلال. وقد تعاطى أبطال الرواية الخوف كل منهم بطريف خاصة ومختلفة عن الآخر.



