وادي الغيوم”.. إشكاليات الثورة والمقاومة والحياة

المراقب العراقي/ متابعة…
تطرح رواية ” وادي الغيوم” للكاتب الدكتور علي نسر كثيرًا من الأسئلة والإشكاليات التي إذا ما أردنا شرحها ومناقشتها، أو إلقاء الضوء على كل منها، لاحتجنا إلى عدد وافر من الصفحات، أو إلى بحث مستقل، وليس مقالة نقدية، لما تحمله الرواية من موضوعات غزيرة ووازنة ومهمة.
تعالج الرواية موضوعات الحرب اللبنانية، ومرحلتي الثورة الفلسطينية والاجتياح الإسرائيلي، ومرحلة المقاومة اللبنانية بكل مراحلها وتلويناتها وأحزابها، وصولاً إلى مرحلتنا التي نعيش.
لم يهمل علي نسر القضايا الاجتماعية على حساب السياسة والوطن والمقاومة، فكان جريئاً في طرح عدد من الأسئلة، وفي نقد المجتمع اللبناني ومقاربته للواقعين السياسي والاجتماعي.
إنّ أبرز المبادئ التي قامت عليها البنيوية هو المبدأ القائم على أنَّ “الأدب نصٌّ مادِّيٌّ تامٌّ منغلقٌ على نفسه”، أي أن دراسة الأعمال الأدبية عملية تتمُّ في ذاتها، بغضّ النظر عن المحيط الذي أنتجت فيه؛ فالنص الأدبي منغلقٌ في وجه كل التأويلات غير البريئة التي تعطيه أبعادًا اجتماعية أو نفسية أو حتى تاريخية، ومادِّيٌّ في كونه قائمًا على اللغة؛ أي: الكلمات والجُمَل. بالإضافة إلى ذلك هناك مبدأ مهم نادى به رولان بارت ألا وهو: “اللغة هي التي تتكلم، وليس المؤلف”، وذلك حين ضمَّن هذا التصور في مقالته «موت المؤلف».
سأتجاوز ما قاله البنيويون في فصل النص عن الكاتب، من رولان بارت، وتودوروف، وجيرار جينيت، وبليخانوف وغيرهم، لقناعتي أنّ فصل النص عن الكاتب هو ترفٌ غير متاح، وهو مَسخُ للنص، عبر سلخه عن خلفيته الاجتماعية والتاريخية التي تؤثّر في الكاتب بشكل أو بآخر. ولعل ما قاله رواد البنيوية التكوينية وفي مقدمتهم المجري جورج لوكاتش والروماني لوتسيان غولدمان هو الأكثر ملاءمة لنص يطل على قضايا اجتماعية وسياسية وتاريخية.
يوحي عنوان الرواية “وادي الغيوم” بالانسحاق والدنوّ، فالوادي هو عبارة عن الأرض الواطئة المحدودة والمنتهية والمحاصرة، ولعلّه ذلك المنحدر الذي وصلت إليه الأمة. فتتبدّل هنا الأدوار. وبدلًا من أن تكون الغيوم مكانًا للرفعة والعلوّ، نراها تتكوّم على نفسها متلحقة بالوادي، متخليّة عن موطنها الطبيعي في السماء، أو أقله على رؤوس الجبال. وتشكّل هذه الثنائية الضدية الحالةَ النفسية التي سيطرت على الشخصيات، فأفرزت كل تلك التناقضات التي وجدناها تستوطن ثنايا الرواية.
رواية جميلة تستحق القراءة والنقاش، هي باكورة أعمال الأستاذ الجامعي والناقد والشاعر الدكتور علي نسر، الذي لم يمنح فرصة التأويل للمتلقي، أو الاستنتاج، حيث عمل جاهدًا أن يقول كلّ شيء، حتى أنه استكثر على القارئ أن يستنتج أنّ صلاح يمثّل النفس اللوامة عند يوسف، فقالها في نهاية الرواية “مخاطبًا صلاح عند استشهاده: “لقد كنت نفسي اللوامة”. لعل الكاتب خاف ألا يصل ما يريد قولَه إلى الشريحة الأوسع التي يخاطبها، او أراد أن يحاكي المستوياتِ جميعَها، ولم يكتب روايته للنخبة فقط. ظهر ذلك من خلال كثرة الشرح والاستطراد والتوضيح.



