اخر الأخبار

حكايتان من أرض المعركة

قليلة هي اللحظات التي تستوطن الذاكرة أو تستحق ان توثق في زمن، تاه به الكتّاب، وضاع به المكتوب، وتلاشت دواعي الاعجاب بين تراكم العجائب، وتلاشت معالم الذهول في زمن الشرود الذهني بالفطرة .. في ارض المعركة حيث تتقلص المساحة بين الموت والحياة، وبين ان يكون المرء أو لا يكون، تبدو الحاجة للتوثيق، بحاجة الى مداد نبض القلب، بديلا عن التفكير والتأمل وقطرات دم زكي، بديلا عن حبر ودواة .. ما سمعته من صديقي العائد من ارض المعركة في قاطع الأنبار يستحق ان يأخذ مكانه في زاوية من زوايا الذاكرة المتخمة باللاشيء فوق جبال الأشياء المترادفة والمتقاطعة والمتواترة سردا من الخوف والرعب والدمع والحزن والآهات .. حكايتان قصيرتان في مفرداتها لكنها تحمل بين طياتها دلالات كبيرة وعظيمة تستحق الوقفة والتأمل. الحكاية الأولى.. بعد ان خان الخائنون وصار ممكناً ان يخون الانسان بلاده وسلمت مدينة الرمادي الى جرذان داعش جاء أحد الجنود الهاربين من ارض المعركة مع جموع الهاربين من شرطة المحافظة والقوات الأمنية فيها ليحتمي في نقطة بأطراف المدينة كانت تحرسها مجموعة من ابطال فصيل من فصائل المقاومة الاسلامية في الحشد الشعبي.. كان خائفا مرتبكا إلا ان الشباب المجاهدين هدّأوا من روعه وقدّموا له الماء ليرتوي من عطش الخوف والاحساس بالضعف والشعور بالذنب. لم يكن الوضع العام يسمح له بالاستمرار في المسير في رحلة الهروب مما اضطره ان يستكين مع هؤلاء الأبطال الذين اطمأن لهم وبادلهم اطراف الحديث وطلب منهم ان يرتدي بدلة الحشد الشعبي بدلا من بدلته العسكرية كي يكون واحدا منهم. قدّم له أحدهم بدلة كان قد استلمها للتو. ما ان ارتدى البدلة الجديدة حتى فاجأهم بشيء جديد، انه يشعر بالخجل والحياء من نفسه ومنهم لأنه ترك موقعه وسمح لداعش باحتلال الرمادي .. انه يستشيط غضباً.. انه يصر على ان يعود الآن لأرض المعركة.. يصرخ فيهم.. لا لن أعود لبيتي لن أعود .. إما النصر أو الشهادة.. الحكاية الثانية .. كانوا اربعة جنود في موضع متأخر في جبهة الرمادي لم ينسحبوا وقرروا ان يقاوموا حتى آخر طلقة بين أيديهم. من بعيد شاهدوا جرذان داعش يطلقون النار نحوهم وهم يستقلون آلية تحمل احادية .. ادركوا ان ما لديهم من عتاد لم يعد يكفي لمواجهة العدو .. لحظات من التوجس وعيون بعضهم تحاور البعض الآخر عن ما ينبغي القيام به إلا ان احد الجنود فاجأ جماعته براية من رايات المقاومة الاسلامية كان قد اهداها له أحد أبطال الحشد الشعبي. اخرجها من بين أغراضه على عجل ليرفعها فوق الموضع لترفرف عاليا.. ما حصل هو مشهد غريب يستحق ان يدرس بعناية .. ما ان رفرفت راية المقاومة في سماء المكان حتى توقف الجرذان واستداروا على عجل خائفين مذعورين ليولوا هاربين.

منهل عبد الأمير المرشدي

m_almurshdi@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى