محنة الأمم
يتعرّض الشهيد السعيد للمِحن التي تعيشها الأمّة، يدرس جوانبها الذاتيّة، ليستفيد منها على مستوى درجات الشعور الذي يعيشه كلٌّ منّا تجاهها، ويرتقي بالتالي إلى محاسبة النفس محاسبة دقيقةً، ويخلص في نهاية البحث لتأكيد أن يكون غضبنا وألمنا وحبّنا وكرهنا كلّه لله وفي سبيل الله سبحانه وتعالى، وبالتالي يعرض الجنبة العمليّة في معالجة الأساليب التي ينبغي التفكير بها مليّاً في معالجة الابتلاءات وهذا البحث الذي بين يدي القارئ الكريم من كلمات الشهيد السعيد ثمّ تهذيبه وتشذيبه من المكرّرات التي تستوجبها المحاضرات،ويعدّ هذا البحث -الذي بين يدي القارئ الكريم- تلخيصاً لمحاضرات للشهيد السيّد محمّد باقر الصدر رضوان الله عليه ألقاهما في جمعٍ من طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف.. إنّ المفهوم القرآنيّ عن المحنة ـ أيّ محنةٍ ـ يؤكّد أنّ الجماعة الممتحنة تتحمّل مسؤوليّة وقوع هذه المحنة. يقول القرآن الكريم ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ما يشير إلى أنّ هذا الفساد الذي يظهر في البرّ والبحر هو نفس ذاك العمل الذي قدّمه الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. فالمحنة هي في الواقع تجسيدٌ بشكلٍ مريرٍ للأعمال المسبقة التي قامت بها الجماعة الممتحنة، وهي في نفس الوقت موعظةٌ ونذيرٌ من الله سبحانه..أيّ محنةٍ تمرّ بالإنسان المسلم لها جانبان: جانبٌ موضوعيّ وجانبٌ ذاتيّ..واما الجانب الموضوعيّ: فأقصد به مجموعة الظروف والملابسات والعوامل الخارجيّة التي أدّت إلى تكوين هذه المحنة، ووضعها بين يدَي هذا الإنسان الممتحن، أو هذه الجماعة الممتحنة..والجانب الذاتيّ للمحنة: أقصد به دور هذا الإنسان الممتحن، وموقفه من المحنة، بعد وقوعها وقبل وقوعها ولهذا حيث إنّ كلّ محنةٍ لها جانبها الموضوعيّ وجانبها الذاتيّ، فلا بدّ للممتحنين جميعاً ـ بالإضافة إلى التفكير في الجانب الموضوعيّ الذي تتولّى التفكير فيه الجهات المسؤولة عن تلك المحنة ـ من أن يفكّروا في الجانب الذاتيّ من المحنة أيضاً، أن يعيشوا المحنة كعمليّة تطهيرٍ لأنفسهم،وتزكيةٍ لأرواحهم، وتصميمٍ على التوبة من التقصيرات المتراكمة المتلاحقة، التي عاشوها عبر حياتهم العمليّة والعلميّة، هذه التقصيرات التي قد لا يُحَسّ بكل واحدٍ منها على حدةٍ، لكنّها حينما تتراكم، تتحوّل إلى فتنةٍ تأكل الأخضر واليابس.



