إستلاب !

لطيف عبد سالم
من فرط تعب النهار، كان يعود لمنزله في أغلب الأيام منْهوك القوى خائر البدن، فاعتاد على النوم مبكراً والاستيقاظ مع غبشة الفجر. ذات مساء وقد غلبه التعب ونال منه الإرهاق وجد نفسه مشدوداً إلى الارتماء على حصيرةٍ متآكلة طمعاً في الحصول على قسطٍ من الراحة، رَيثَما تنهي زوجته سجر تنورها الطيني، كان على وشك الإغفاء حين انبعث صوت بشري يناديه بطريقة همجية أنه السركال، قوة صوت هذا المخلوق الذي عرف بسطوة طغيانه على الفلاحين البسطاء أيقظت الفزع في داخل نفس الشخص المنادى عليه، وجعلت الخوف يستحوذ على زوجته.
نهض من مكانه مرعوباً تكاد قدماه لا تحملانه، زوجته تقف بجوار التنور مذهولة فاغرة فاها، توقف قليلاً قبل أن يتوجّه حافي القدمين نحو باب منزله الطيني، أزاح بيد مرتجفة الستارة النسيجية القديمة التي جعلها دالة لباب منزله، أصبح بمواجهته، استجمع قواه ومن دون أن يلقي عليه التحية سأله في ارتباك واضح: ما الأمر، ماذا تريد؟
أجابه السركال بأسلوب فج ومنفر: – المحفوظ «الشيخ» يطلب حضورك الآن.
الرجلُ المغلوب على امره شابه الارتباك وشعر بقلق وخوف شديدين، صمَت بُرْهةً من هول الصدمة، ثم تمتم ببضع كلمات لم يفهم منها السركال شيئاً، فثارت حفيظته ولوح بعصا اعتاد على حملها ونهره قائلاً: ماذا تقول أيها الكلب.. كأنك تعصي أمر الشيخ؟
لم يجد المزارع المنكود بداً من اللجوء إلى التوسل وهو يقسم بأغلظ الأيمان بين يديه: أنه لا يقصد أي شيء فيه مساس بمنزلةِ الشيخ أو سركاله، ولم يكن بالأساس أهلاً لذلك، إلا أنَّ ما توالى من محاولاته قصد استعطاف السركال لم تجدِ نفعاً أمام عُنجُهيّة رجل أعمت نشوة السلطة والشهوة في إذلال الرجال بصيرته، فلم يتوانَ عن الشروع بإهانته وشتمه على مرأى ومسمع من جيرانه الذين أثارهم الفضول لرؤية هذه الواقعة، إلى جانب زوجته التي لم تنبس ببنت شفة، ثم نادى عليه بصوتٍ عالٍ: تحرك أمامي أيها الكلب.. انت وأمثالك ناكرو الجميل لا تستحقون العيش!
تلعثم الرجل البائس والعبرة تخنقه، اقترب السركال منه أكثر وهو يتراجع قليلاً، لكزه في صدره غير مبالٍ بتوسلاته، اختل توازنه، سقط على ظهره، ضربه السركال بعصاه، نهض مولياً إياه ظهره من شدة ارتباكه، مسكه من كتفه ودفعه بقوة مُعنفاً وطالباً منه السير أمامه، استجاب الرجل لأمره تاركاً خلفه زوجته حائرة تجول بناظريها في المكان، وكلما لاحظ تثاقلا في مشيته عالجه السركال بضربٍ مبرح من عصاه لأجل الإسراع في خطاه.
مع تيقنه من عدم فعله شيئاً مثيراً لاهتمام الشيخ، تملكه شعور بالإحباط امتزج فيه الخوف بالحيرة، فصار كمن كان يعاني ويلات الموت البطيء وهو يسير متعثراً أمام السركال الذي لم يكتفِ بضربه، بل أطلق العنان للسانه مكثراً من التوبيخ دون التفكير في كل عبارة أو كلمة جارحة ينطقها.
حين وصل المزارع المبتلى بوابة المضيف، نظر على عجالة الى الشيخ ومن يجلس حوله، تغيرت أحواله وتمالكه الخوف حتى كاد يغمى عليه من شده الرهبة، فأحدث أمام الحاضرين الذين لم يقطع اصوات ضحكاتهم المجلجلة سوى عبارة إذلال أطلقها شيخ العشيرة صوب هذا المزارع المسكين المحمل بنكبات الزمان تأنيبا له على فعلته المخجلة، لكنه ثأر لإنسانيته بعفوية حين توجّه صوب كبير القوم مخاطباً إياه بطريقة يعجز بقية الحاضرين عن تكرارها او مجرد التفكير بها وهو يقول: محفوظ.. أحمد ربي الذي منَّ على إنسان فقير مثلي بنعمة الوصول الى باب مضيفك محتفظاً برباطة جأشه، فماذا تقول عن الذين يحدثون في منازلهم لمجرد سماعهم بطلبك إياهم؟!



