النسخة الرقمية

الإمام السجاد «عليه السلام» ..مدرسة العلم والصبر والشجاعة

تتوالى افراح شهر شعبان المعظّم وتورق شجرة النبوّة بقمر زاهر وينبوع متدفق ومحمل جديد من محامل علم الله مبلِّغ صابر ومعلّم كبير من معلّمي الإنسانية انتهلَ العلم والمعرفة من منهله الحق فشرع بنشره للبشرية…في اليوم الخامس من شعبان استبشرت الدنيا وتهللت فرحاً بمولد رابع الائمة المعصومين(عليهم السلام) ذلك هو سيد الساجدين وزين العابدين الإمام علي ابن الحسين(عليهما السلام), فقد ولد إمامنا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في المدينة يوم الجمعة خامس شعبان عام 38هـ..أمه: هي شاه زنان (أي ملكة النساء) بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، ملك الفرس، سماها أمير المؤمنين(عليه السلام) مريم وقيل فاطمة..وان كثرة عبادة زين العابدين أشهر من ان تُذكر، فانه عليه السلام أعبد أهل زمانه كما أشير إليه في ذكر ألقابه عليه السلام ويكفينا في الإشارة إلى هذا المعنى عدم تمكن أحد من الناس على مضاهاة أمير المؤمنين عليه السلام في العبادة إلا هو، فإنه يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فإذا دخل وقت الصلاة ارتعش جسمه الشريف واصفر لونه، وإذا شرع فيها كان كجذع الشجرة لا يتحرك إلا ما حركت منه الريح، وإذا وصل في القراءة إلى مالك يوم الدين ظل يكررها إلى ان يوشك على الموت، وإذا سجد لم يرفع رأسه الشريف حتى يتصبب عرقاً، وإذا أصبح أصبح صائماً وإذا أمسى أمسى عابداً وكان يستمر في صلاته ليلاً حتى يصيبه التعب إلى درجة انه لا يقدر على النهوض إلى الفراش فكان يذهب إليه كهيئة الأطفال الذين لا يقدرون على المشي، وإذا دخل شهر رمضان لم يتكلم إلا بالدعاء والتسبيح والاستغفار، وكانت لديه صرّة فيها تراب قبر الحسين عليه السلام فإذا أراد السجود سجد عليها وعاش عليه السلام سبعاً وخمسين سنة تقريبا قضی ما يقارب سنتين او اربعاً منها في كنف جده الإمام علي(عليه السلام) ثم ترعرع في مدرسة عمه الحسن وابيه الحسين عليهما السلام سبطي رسول الله(صلى الله عليه وآله)،وارتوی من نمير العلوم النبوية واستسقی من ينبوع اهل البيب الطاهرين..وبرز علی الصعيد العلمي اماما في الدين ومنارا في العلم ومرجعا لاحكام الشريعة وعلومها ومثلا اعلی في الورع والتقوی واعترف المسلمون جميعا بعلمه واستقامته وانقاد الواعون منهم الی زعامته وفقهه ومرجعيته وعاصر عليه السلام في سني إمامته من الحكام الامويين كلاً من يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك وكان عليه السلام للمسلمين عموما تعلق عاطفي شديد بهذا الامام الهمام وولاء روحي عميق له وكانت قواعده الشعبية ممتدة في كل مكان من العالم الإسلامي ولم تكن ثقة الامة بالإمام زين العابدين(عليه السلام) -علی اختلاف اتجاهاتها ومذاهبها- مقتصرة علی الجانب الفقهي والروحي فحسب، بل كانت تؤمن به مرجعا وقائدا ومفزعا في كل مشاكل الحياة وقضاياها، بوصفه امتدادا لآبائه الطاهرين. وكان عليه السلام، كثير التصدّق على فقراء المدينة ومساكينها وخصوصاً بالسرّ، وقد روي أنّه كان لا يأكل الطعام حتّى يبدأ فيتصدّق بمثله..وإنّ حالة الجمود الفكريّ والركود العلميّ التي أصابت الاُمّة الإسلامية بسبب سيطرة بني أميّة على الحكم كانت تستدعي حركة فكرية اجتهادية تفتح الآفاق الذهنية للمسلمين كي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير،وهذا ما قام به الإمام زين العابدين(عليه السلام) فانبرى إلى تأسيس مدرسة علمية وإيجاد حركة فكرية بما بدأه من حلقات البحث والدرس في مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله) وبما كان يثيره في خطبه في صلوات الجُمَع اُسبوعيّاً.وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس فقهية وشخصيات علمية وقد لاحظنا ما جاء في رسالة الحقوق من الإشادة بفضل العالم وحقوقه على المتعلّمين من التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الإستماع إليه والإقبال عليه وعدم رفع الصوت عليه والدفاع عنه وستر عيوبه وإظهار مناقبه وعدم مجالسة أعدائه وعدم معاداة أوليائه..وكلّ هذا يشير إلى تخطيط واضح في سلوك الإمام (عليه السلام) لايجاد حركة ثقافية واسعة وتأسيس تيّار ثقافي يتسنّى له أن يقف أمام التيّارات المنحرفة والتخطيط الاُموي الذي لم يرق له تفتّح الوعي الإسلامي عند أبناء المسلمين وقد خرّجت مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) كوكبةً من العلماء الفقهاء والمفسّرين الذين سطعت أسماؤهم في العالم الإسلامي، وإليهم يعود الفضل في دفع عجلة الإحياء العلميّ في ذلك العصر الرهيب وما تلاه من عصور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى