اراءالنسخة الرقمية

نيسان الأسود 1980

د. علي المؤمن
کان نیسان ۱۹۸۰ تجسیداً لمأساة العراق .. ذروة المأساة التي لا يزال العراقيون يعانون آثارها، بالنظر للأحداث المأساوية الكبيرة التي وقعت فيه، وهي أحداث لها وقع متميز في التاریخ، لأنها أدخلت العراق وشعبه وحوزته العلمية وحركته الإسلامية مرحلة جديدة تماماً؛ کان فيها الدم ارخص من أي شيء آخر. تميز وضع النظام البعثي خلال نيسان ۱۹۸۰ بتفشي حالة الإرهاق في أجهزته، نتيجة استنفارها المستمر في قمع الشعب العراقي ومطاردة علماء الحوزة العلمية وأبناء الحركة الإسلامیة. فكان النظام الحاكم يرى أن الوضع بشكل عام يهدده جدياً، فتصرّف وكأنه في حالة حرب حقيقية مع أبناء الشعب العراقي، وتحديداً مع مكونه الأكبر: الشيعة، واستخدم كل الوسائل للخروج من هذه الحرب منتصراً. وکان فكي كماشته الرئيسة: القمع و الإرهاب والعنف، والثانية حرف الرأي العام العراقي عبر الدعاية والإعلام. فضلاً عن وسائل أخرى، كشراء الذمم وافتعال الأزمات والأحداث في الداخل العراقي ومع بعض دول الجوار.
لم یكن القرار الذي أصدره رئيس النظام المقبور صدام في 31/ 3/ 1980، ونفذه في نيسان 1980، سوى محاولة لإيجاد مسوغ قانوني هامشي لعمليات الإبادة التي يقوم بها ضد الحوزة العلمية والحركة الاسلامية وعموم شيعة العراق. ويقضي هذه القرار – الذي لـه قـوة القانون ـ بإعدام منتسبي حزب الدعوة الإسلامية والعاملین علی تحقیق أهدافه ومروجي أفكاره، وبأثر رجعي.
وعلى اثر قرار الإبادة هذا اعتقلت السلطات في نيسان 1980 عشرات الآلاف ممن يشتبه ان لهم علاقة بالحراك المعارض للنظام عموماً وحزب الدعوة خصوصاً، فسارت القوافل الى منصات الإعدام، واستشهد الكثيرون تحت التعذيب الوحشي، حتى تقول الكاتبة المصرية صافيناز كاظم والتي كانت تعيش في بغداد في تلك المدة: (كنت أسير في بغداد أكاد أشم رائحة الدم وأحس مذاقه في حلقي وأنا أبلع ريقي).
لا شك أن الامام السيد محمد باقر الصدر كان أحد أهم أسباب إصدار نظام صدام قرار اعدام الدعاة، فبعد ستة أیام فقط علی إصداره، أي في 5 نيسان 1980، اعتقلت السلطة البعثية السيد الصدر، بعد فشلها في حمله على المساومة. وقبل إعدامه، نفذت السلطة عدة إجراءات احترازية للحيلولة دون تفجر الأوضاع في بغداد ومدن الفرات الأوسط والجنوب فيما لو أعدمته، منها محاولة ضرب تياره في الصميم وقص أجنحة حركته وحوزته، عبر المجازر والاعتقالات العشوائية التي طالت عشرات الآلاف مــن أبناء حرکة الصدر ووکلائه والمقربين اليه.
وفي ليلة التاسع من نيسان أطلق صدام الرصاص على الإمام الصدر بعد أربعة أيام من التعذيب الشديد، كما قام عزت الدوري بقتل السيدة بنت الهدى (آمنة الصدر) في اليوم نفسه.
المبرر الأساس الذي قدمه النظام البعثي للعالم الصامت بشـأن إعدام السيد محمد باقر الصدر، هو تزعمه لحزب الـدعوة (المحظور)، وبذلك يكون مشمولاً بقرار اعدام الدعاة، إضافة الى علاقة السيد الصدر الدينية بالإمام الخميني، حيث يقول فاضل البراك (مدیر الأمن العام حينها): (إن صلة محمد باقر الصدر بإيران كدولة أجنبية ونظام فارسي وحزب طائفي (الدعوة) صلة الأصبع باليد).
إلّا أن الحقيقة تعارض ما قاله النظام، فقضیة إعدام السید الصدر لها أبعاد حضاريـة وتاريخية ودينية وسياسية، يقف في مقدمتھا الصراع الحضاري الممتد عبر قرون طویلة بین الإسلام وأعدائه، وبين رموز التشيع ورموز الأنظمة الطائفية.
كان نيسان شهراً استثنائياً جداً بالنسبة للحركة الإسلامية العراقية، على مستوى وضعها الداخلي، بعد الفراغ القيادي الذي تركوه استشهاد آية الله السيد محمد باقر الصدر، وتقطع الكثير من خطوطها التنظيمية، نتيجة حملات المطاردة والاعتقال والإعدام العشوائية الكبيرة، وحاجتها الماسة للمخابئ والسلاح للدفاع عن نفسها والرد على حرب النظام ضدها، وتبعات حملات التهجير والهجرة الواسعة، فضلاً عن الحرب النفسية والإعلامية الشرسة التي كانت تتعرض لها.
في اليوم الذي اعتقل فيه السيد الصدر (5 نيسان 1980) أعلنت قيادة نظام البعث عن النفير العام في قوات الأمن والمخابرات والشرطة والجيش الشعبي ومنظمات الحزب وقوات حرس الحدود، لتنفيذ قرارها بتهجير ما يقرب من نصف مليون مواطن عراقي الى ايران (5 بالمائة من سكان العراق)، بذريعة أصولهم الإيرانية، وعلى دفعات تستمر عدة سنوات. وقد تزامنت عملية التهجير ـ هذه المرة ـ مع حالة الهياج العامة التي شهدها العراق. وقد استغل النظام حادثي التفجير في جامعة المستنصرية والوزيرية في بغداد ليكونا غطاء مباشراً للعملية، والتي لم تشكل مفاجأة كبيرة للمراقبين، فحين أطلق صدام تهديده (والله والله والله، إن الدماء الطاهرة التي سالت في الجامعة المستنصرية لن تذهب سدى)، كان واضحاً أن الدكتاتور يبيت شراً لعشرات آلاف العوائل العراقية البريئة المسالمة التي لا علاقة لهم بالشأن السياسي وبما يجري في البلاد. وهكذا تم في الأيام الأولى تهجير نحو (40) الف مواطن عراقي، أعقبها حملات تهجير أخرى في الأشهر اللاحقة عشرات الآلاف. ولولا جرائم النظام البعثي الأخرى، لتبيّن للعالم خطورة جريمة التهجير وحجمها.
في أغرب قرار إجرامي تمييزي عنصري في العالم، يعمل على تمزيق المجتمع العراقي وتشتيت الأسرة العراقية، وحرمان الأم من أولادها، أصدر المقبور صدام في 15 نيسان 1980 قراره المرقم 474، والقاضي بتطليق الزوج العراقي زوجته العراقية من أصل إيراني، وإن كانت هذه الزوجة تحمل الجنسية العراقية وشهادة الجنسية العراقية. هذا في جانب الترهيب، أما في جانب الترغيب، فإنّ الزوج سيمنح مكافأة قدرها 2000 دينار إذا كان الزوج مدنياً، و4000 دينار إذا كان عسكرياً، وذلك على وفق ثلاثة شروط: أن يتم الطلاق رسمياً، وأن يسلم الزوج زوجته المطلقة الى السلطات لتسفيرها الى إيران، وأن يتزوج الزوج العراقي الطليق من زوجة عراقية جديدة رسمياً.
وبعد طلاق الزوجة وتسفيرها، يبقى الأطفال مع أبيهم في العراق. وبرغم أن عشرات آلاف العراقيين المتزوجين من عراقيات من أصل إيراني، لم يذعنوا للقرار، وأخفوا عقود زواجهم، على الرغم من خطورة ذلك على حياتهم وحياة أسرهم، إلّا أن الحالات القليلة التي اضطر فيها بعض العراقيين، أو طمعوا في مبلغ المكافأة، الى تطليق زوجاتهم وتسليمهن الى السلطات لتسفيرهن الى إيران، تسببت في تمزيق هذه العوائل وحرمان الأولاد من أمهم، وانتحار بعض الأمهات أو إصابتهن بأمراض عقلية.
يمكن وصف شهر نيسان 1980 بأنه شهر التحضير الجاد للحرب العسكرية ضد إيران. فخلال نيسان ارتفعت الاعتداءات العسكرية للنظام على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الى (28) اعتداءً جوياً وبحرياً وبرياً، وهو رقم غير مسبوق. أما على مستوى استعدادات التسليح، فقد وصل للنظام في نيسان (2000) دبابة سوفيتية من طراز ت ـ 54 وت ـ 62 وت ـ 72. وقالت مصادر دولية عسكرية: أن الحكومة العراقية امتلكت قوة ضاربة من الدبابات لخوض حرب خاطفة. وأشارت هذه المصادر الى احتمال شن صدام حرباً على إيران.
ونشرت مجلة المستقبل (الصادرة في باریس) ثلاثة مقالات خلال هذا الشهر، توقّعت فيها قيام صدام بشن الحرب ضد ايران. وعلی المستوی الإعلامي والدعائي، صعّدت وسائل إعلام النظام من هجومها المكثف ضد الجمهورية الإسلامية، وهيّأت الأجواء الرسمية للمطالبة بانسحاب ايران من الأراضي التي ضمت اليها على وفق معاهدة الجزائر (1975). ومن الجزر الثلاث أيضـا.
أما خطابات صدام في هذا الشهر فقد كان معظمها تحريضاً ضد الحركة الإسلامية العراقية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنها خطابه في مدينة الرمیثة في 25 نیسان 1980، والذي قال فيه: (سألنا الأرض – ونحن في طریقنا إلیكم – هل تقبلین يا أرض المثنى ويا أرض الرميثة أن يسحقك الفرس بأقدام خيولهم اليوم .. أجابت الأرض مثل ما أجابونا أهلها أنها ترفض الأجنبي من أي لون ومن أي حدب). وكذلك قوله في المهرجان القطري للشعر الشعبي في 26 نیسان: (لن ننسی في يوم من الأيام صيحــات العربيات في خوزستان). کما أخذت وسائل إعلام النظام تنشر خرائط للعراق وقد ضمّ إليه منطقة خوزستان الإيرانية. وبات الحديث عن القادسية الثانية حديثاً يومياً.
الحرب الإعلامية والدعائية الشرسة التي بلغت في نيسان 1980 ذروتها، استهدف من خلالها نظام صدام الواقع العراقي الشيعي والإسلامي في الصميم، وكان يخطط من خلالها الى تسقيط التيار الإسلامي الشيعي، ممثلا بالحوزة العلمية وحزب الدعوة الإسلامية والتنظيمات الإسلامية الأخرى والجماهير المتدينة، أمام الرأي العام العراقي والعربي والدولي، وصولاً الى تشويه صورة الإسلام كفكر ونهج للحياة، بشكل يسمح للنظام البعثي بضرب الإسلاميين وعلماء الدين والحوزة بكل الوسائل، دون أن يتحرّك الشعب ويناصرهم. وفي الوقت نفسه يحول دون تمكّن الحوزة العلمية والحركة الاسلامية والجماهير المتدينة الدفاع عن نفسها أو كسب الشعب. ومن أبرز مفردات هذه الحرب الإعلامية اتهام كل من يعارض النظام وكل من يلتزم بالمظاهر الدينية بأنه عميل وإرهابي ومتاجر بالدين.
لقد وضع نظام صدام في نيسان 1980 حجر الأساس لانهيار العراق ودولته، وتدمير بناه التحتية، وتصدع نظامه الإجتماعي، وقتل مئات الآلاف من العراقيين في السجون والحروب الداخلية والخارجية، وتراكم الديون على العراق، وارتفاع نسب الأيتام والأرامل ارتفاعاً جنونياً، وصولاً الى انهيار الاقتصاد والعملة العراقية، وتصاعد معدلات الفقر والمرض، بشكل قلً نظيره دولياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى