قراءة في رواية «الاوزة البرية» لاوجاي موري

علاء الدين شهاب
كما ان اشجع الفرسان قد يقتله من بعيد نافخ في مزمار بهذه البنادق اللعينة كما يقول امين معلوف في رواية ليون الافريقي الرائعة، فان اجمل الاوزات وانقاهنَّ قد يصطادها رجل موغل في الدمامة وغارق في الطين والاوحال كما يبدو لي انا في رائعة اوجاي موري.
وكما تولد الشمس نقية فوق حقول الارز في بلاد اليابان بثيابها البيضاء الموشاة بخيوط الذهب وترقص ببراءة فوق مسرح السماء الزرقاء ترسل الدفء والجمال الى العالم، فما تلبث ان يغتالها الشفق مساءاً لتغدو حمراء مضرجة بدمائها فتمسي علماً وشعاراً لتلك البلاد التي اكتسبت مجدها من ذلك الثوب المضرج بدماء الشمس.
كذلك فإنَّ الاوزة التي تسبح بوداعة بعيدا عن اسراب الاوز يمكن ان تكون صيداً ثميناً وعشاءاً لذيذاً لحفنة من السكارى الوضيعين.
سأخالف هذه المرة السياق المألوف وابدأ من خاتمة الحكاية وليس من بدايتها. اذ ينتهي المشهد باصطياد احدى الوزات البرية، وهنا تكمن الحبكة (the plot)، اذ ان الاوزة البرية هي رمز النقاوة الموجودة في داخل كل انسان ثم ما تلبث ان تتناوشه الاحجار والاسهم والفخاخ لاصطياده من اقرب الاصدقاء اليه او اقرب الناس واكثرهم وداً و قرباً. ومقولة (حتى انت يا بروتس!) ظلت مثلا يردده الناس قروناً طويلة ولم يتعظ منه الناس بعد! كم امراة كانت تسبح بوداعة في نهر احلامها ثم جاءت حجارة طائشة اصابتها في مقتل فقتلت احلامها الوادعة وضرجت ثوب امنياتها بالدماء! كم استرسلنا في طيبتنا (او غبائنا ان صح التعبير) فصادتنا شباك الغدر على مرأى من الناس ووسط ابتسامتهم الحاقدة الصفراء! الناس لا تحرك ساكناً عند اصطياد الامنيات وذبح الاحلام!
يقول النورسي: (إنَّ السياسة الحاضرة الدائرة رُحاها على المنافع وحشٌ رهيبٌ، فالتودُّد إلى وحشٍ جائعٍ لا يدرُّ عطفه بل يثير شهيته، ثم يعود ويطلب منك أجرة أنيابه وأظفاره)!
نعود الى الحكاية الحزينة التي تدور احداثها في اليابان عام ١٨٨٠ بين مسكن كاميجو مقابل جامعة طوكيو حيث يسكن فيه طلبة كلية الطب وبطلنا (اوكادا ) وبين حي موئنزاكا حيث تقيم (اوتاما) الجميلة والبريئة لتعيش كمحظية عند (سويزو) المرابي الجشع الذي اراد ان يتخذ له محظية ليهرب من جحيم اسرته وزوجته القبيحة النكدة.
يؤمن (اوكادا) ان المرأة يجب ان تكرس حياتها لان تكون جميلة ومحبوبة. ومهما كانت بيئة حياتها فيجب ان تحافظ على الحب والجمال. بل يمضي لابعد من ذلك، فهو يؤمن ان المرأة يجب عليها ان تقدم الجمال على الحياة نفسها.. المرأة التي تضع بكل هدوء مساحيق التجميل على وجهها لاستقبال ملك الموت الذي ينتظرها خارج الغرفة. وهنا تظهر فلسفة جديدة: هل كان الجمال وحده كافياً لينتشل (اوتاما) من نكد الحياة وقسوتها؟ هل يكفي الجمال وحده كي تعيش المرأة حياة سعيدة وأ تراهن المرأة على جمالها كي تنتزع السعادة من فك الحياة المفترس؟ أم ان الجمال كالسيف سلاح ذو حدين اما ان يمضي بها الى صعود سلم السعادة ويمضي بها لتقبيل جبين الشمس في قبة السماء الزرقاء او يرديها كما اردى بتلك الاوزة البريئة وهي تسبح ببراءة فوق مياه البركة الزرقاء ايضاً كزرقة السماء ليختلط دمها بمياه البركة الراكدة؟! هل يكفي الجمال الظاهري؟ وهل يكفي جمال الداخل وجمال النفس والروح؟ ام ان الجمال يجب ان يكون منظومة وفلسفة متكاملة؟ منظومة تشمل الدفاع عن الجمال الذي نحمله والشجاعة في مواجهة كل ما هو قبيح يحاول اقتناص الجمال وازدراده بين فكيه المفترسين كما حدث لبطلتنا (اوتاما) التي افترسها المرابي بجشعه وثروته وبقيت مهصورة بين فكيه الجشعين لاتقوى على هروب او تملص! اسئلة موجهة للقارئ الكريم والقارئات اللاتي يقدسن الجمال!
رمزية الطيور الحبيسة في القفص والثعبان الذي افترس احدى تلك الطيور واضحة جدا في اشارة الى (اوتاما) التي التهمتها انياب الثعبان الدنيء (سويزو) المرابي الجشع.. اما الطائر الآخر الذي ظلَّ يرفرف بجناحيه يحاول الهروب من القفص ففيه اشارة الى (اوكادا) الذي يحاول السفر الى اوربا ليعيش حياة كريمة باحثاً عن الحرية والثراء والعيشة الكريمة. فهل ينجح في الهروب ام يكون ضحية هو الآخر؟ الجواب متروك للقارئ الكريم.
يعجبني الجمال المنثور في الطبيعة فهو يشكل منظومة رائعة، وردة محاطة بمجموعة اشواك تحصنها، نحلة تمنح العسل وابرة سامة تحميها لمن يحاول اصطيادها، غزال بعينين واسعتين وجمال اخاذ مع قدرة على الهروب والمواربة والخفة تحمي ذلك الجمال من الافتراس وغيرها كثير لمن تامل في الطبيعة ويبقى الجمال عرضة للافتراس ما بقي وحيدا شاردا عن السرب وقوانين الحماية وللتفصيل يمكن للقارئ الاطلاع على مقالي سنوحات قلبية.
الجانب الاهم في الرواية برأيي هو موضوع الاسرة والتربية، فالاسرة التي تؤثر الراحة والدعة وتضحي بسعادة ابنائها من اجل راحة ظاهرية وقتية او سكن هادئ والزج بابنائهم ببيئة غير صالحة لقلة خبرتهم في الحياة كما حدث مع والد (اوتاما) الساذج جدا جعل ابنته تدفع الثمن غالياً وباهضاً.
في حوار لي مع احد الاصدقاء والمتخصصين في علم النفس عن الزواج والاسرة اخبرني ذلك الصديق والاستاذ الجامعي انه لو انيط به موضوع الزواج في بلداننا لوضع دورات مكثفة في موضوع انشاء الاسرة والابوة والامومة والعناية بالطفل قبل ان يقدم الشخص على الزواج. بمعنى ان الزوج والزوجة يجب ان تكون لهما مؤهلات اساسية في بناء وتكوين الاسرة للحفاظ على ابنائنا من سوء التوجيه والتربية او يجب على المعنين بالتربية تخصيص حصص مكثفة في المدارس لتفعيل ذلك الجانب، وقد يؤيد ذلك القارئ الكريم.
يقول المرابي (سويزو) «انا اركع وانحني امام من يجعلني اكسب اموالاً. اما غير ذلك فالجميع وجودهم مثل عدمه. لا ابالي بهم مطلقاً. اتجاهلهم تماماً ولا اكلف نفسي حتى عناء صفعهم او ضربهم، بدلاً من عمل هذا الامر عديم الفائدة استغل الوقت في حساب فوائد الربا. حتى زوجتي كنت اتعامل معها بالطريقة نفسها». بهذا المنطق الوضيع يتعامل المرابي، ان عيون المرابي الحادة التي تخترق الامور وتكتشف جوانبها كانت تخطئ في معرفة الحالة النفسية لامرأة تحب.. وهذا المنطق يجب ان يبقى امام اعين الجميع حين يقحمون بناتهم بزيجات وأسر كل همهم جمع الاموال باي وسيلة كانت حتى لو كانت على حساب الحب والكرامة واحترام الذات.
يتعرض الكاتب لحياة الملل الذي يرافق (اوتاما) واباها بعد انتهاء حياة الشدة والركض وراء لقمة العيش فهي وبعد زوال المعاناة التي كانت تعانيها في الحياة المعيشية تتعرف لاول مرة على معاناة الملل. والعجوز الذي كان في الماضي يلاحق لقمة العيش بصعوبة، فجأة انزاح عنه ذلك واصبحت الحياة مريحة اكثر من اللازم ما جعله يشعر بالدهشة وكأنَّ ثعلباً قد خدعه. وهنا يبرز سؤال مهم، ايهما افضل ان تعيش في بحبوحة من العيش بملل وفراغ قاتل ام تعاني شظف الحياة وقسوتها بدون معاناة الملل والفراغ القاتل الذي يقود الى التخبط والاسترسال في خيالات مقيتة واوهام تافهة؟
اليأس والذي هو اكثر التأثيرات التي خبرها قلب (اوتاما) فكأنها مثل الآلة التي قد وضع لها زيت ، كانت عادتها ان تتحرك في سلاسة ويسر دون اعتراض او ممانعة بشكل يدعو للحزن والرثاء. هل نجحت (اوتاما) في مواجهة اليأس الذي عصف بقلبها لتسبح الى ضفة الامل القريبة المنال ام استسلمت له استسلاماً سلبياً جعلها عرضة للاصطياد؟ كل تلك المواضيع والاسئلة وغيرها كثير يتعرض لها الكاتب اوجاي موري، الجراح الماهر في الجيش الياباني ليخيط تلك الجراحات النازفة والغائرة في جسد الانسانية الكبير.



