المصطلح والتعريب
1
إنَّ حتمية التعريب أمرٌ مفروغ منه على الرغم من أنَّ هناك أناساً من المثقّفين يتخوّفون من التعريب أو لا يؤمنون بقضيته فيختلقون في سبيله العقبات ويفتعلون أمامه الصعوبات. من ذلك ما يجري الكلام عليه بين حينٍ وآخر من عدم توافر المصطلحات العلمية الكافية لسدّ حاجة التعريب, والقول بأنَّ سعة الموادّ العلمية وسرعة نموّها في هذا العصر ممّا يستلزم أضعاف ما أعدّته وتُعدّه المجامع والهيآت المختصّة من هذه الألفاظ العلمية. إنَّ هذه النظرة إلى الموضوع هي غير صحيحة في الأساس, فليس المفروض أنْ يجد أهل العلم عند المجامع والهيآت المعنيّة بالتعريب مصطلحاً جاهزاً لكلّ فكرة علمية دقيقة أو كشف علمي جديد, وإنّما يضع العلماء هم أنفسهم اللفظ العلمي, وهم يستعينون بأهل اللغة في ذلك كلّما دعت الحاجة إليه, ولو لم يكن الأمر كذلك لتأخّرت مسيرة العلم في العالم المتقدّم كثيراً, ومثل هذا فعل أسلافنا عندما نقلوا إلى العربية علوم اليونان والهند إبّان ازدهار الحركة العلمية والحضارية في العالم العربي القديم فهم لم ينتظروا حتّى تزوّدهم هيآت علمية ولغوية بالألفاظ التي استعملوها في لغة العلم. ومثال ذلك وضعوا لفظ (الجبر) لهذا العلم الذي ابتكروه, واختاروا لفظ (المنطق) ليقابل اللفظ اليوناني Logikos, وآلافاً من الألفاظ العلمية من هذا القبيل, وفي هذا العصر الذي سِمَتهُ السرعة لا يمكن أيضاً لأصحاب الأبحاث العلمية المتزايدة والفكرات المتطوّرة, والكشوف المتجدّدة يوماً بعد يوم في العالم المتقدّم أنْ ينتظروا كلّ مرّة ريثما تجتمع المجامع والهيآت لتضع لهم لفظاً علمياً أو تُقرّهُ للاستعمال.
إنَّ وقفة سريعة على المراد بكلمة (مصطلح) يمكن أنْ تدلّ على الكثير في هذا الشأن, فاللفظ الذي يضعه فرد أو هيأة لدلالة علمية أو حضارية معيّنة لا يمكن أنْ يُصبح (مصطلحاً) إلّا بعد أنْ يُصطلحَ ويتواضع عليه المشتغلون بذلك العلم أو المعنيون بذلك الجانب من الحضارة, أمّا قبل ذلك فهو لا يعدو كونه مقترحاً دعت إليه الحاجة الآنيّة للتعبير عن فكرة علمية أو حضارية, ومن ثَمَّ فلن يمكننا الحصول على أيّ مصطلح بالمعنى الحقيقي إلاّ بعد وضع اللفظ المقترح في حيّز الاستعمال, أي أنَّ (التعريب) هو الذي يصنع لنا المصطلحات وليس العكس, ولا بُدَّ لنا من أنْ ندخل في مجال تعريب أهل العلم لنحصل على مصطلحاته.
إنَّ حجّة القائلين بالتريّث في التعريب ريثما تكتمل المصطلحات متهافتة أساساً فهي تنقض نفسها بنفسها. ويُفضي بنا هذا الحديث إلى أولاء الذين يقولون بالتريّث في التعريب ريثما يتمّ توحيد المصطلحات, ولكنْ أيُّ مصطلحاتٍ تُوحَّد إذا لم تدخل الألفاظ المقترحة مجال الاستعمال؟ وأنّى يجري التوحيد إذا لم يتنادَ العلماء لتبادل الرأي في الألفاظ العلمية العربية التي استعملوها في تدريساتهم وفيما ينشرونه من بحوثهم وكتبهم المؤلّفة باللغة العربية أو المترجمة إليها؟
أ. د. عليّ حسن مزبان



