النسخة الرقميةثقافية

«ستونر» .. إقتراب الإنسانيَّة وابتعاد الحرب

رشا الربيعي

في السابع من أيار، قامت غواصة المانية بإغراق السفينة البريطانية لوزيتانيا، وكان على متنها مئة وأربعة عشر راكباً امريكياً. بنهاية 1916، كانت معارك الغواصات الألمانية مطلقة، وتدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وألمانيا من سيىء إلى أسوأ. في السادس من نيسان أعلن الكونجرس حالة الحرب بين ألمانيا والولايات المتحدة.
بهذا الإعلان، احتشد آلاف الشباب في جميع انحاء البلاد أمام مراكز التجنيد التي كانت قد أنشئت من قبل أسابيع قليلة، كأنه أراحهم أخيراً من التوتر والحيرة، كانت مئات الشباب لا يطيقون الانتظار لتتدخل امريكا، وكانوا قد سجلوا في الخدمة العسكرية منذ بداية 1915 مع القوات الكندية الملكية، او كسائقي سيارات إسعاف لدى أحد جيوش الحلفاء الأوروبية، فعل ذلك عدد قليل من الطلبة الأقدم في جامعة ميزوري.
يقدم لنا جون ويليامز في روايته المعروفة «ستونر» نموذجين ممّن تطوعوا للانضمام للجيش، النموذج الأول هو جوردن فينش حاصل على بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ويعمل كموظف إرشاد في الكلية، حيث كان وجهه متشنجاً وهو يتحدث عن الهانس كأنه سيبصق على الأرض، الألمان كانوا هنا ليُكرهوا.عندما التقيا ستونر بطل الرواية وصديقه فينش كان مزاج الأخير قد تغير وهو الذي كان يعرف بأنه اكثر الشباب لا مبالاة، خبط على كتف ستونر وهو يردد: بسرعة لن نتركهم يفلتون يا بيل. نعم يا سيدي سأنضم للجيش، سأذهب إلى سانت لويس غداً وأسجل. لوهلة تدبر نمت ملامحه عما يشبه الوقار، وتابع «على كل واحد منا ان يقوم بدوره».. ثم ابتسم وخبط على كتف ستونر ثانية قائلاً: يجدر بك أن تأتي معي.
قال ستونر مراراً، وبحيرة: أنا أنا؟
ضحك فينش قائلاً: بالطبع سينضم الجميع، كنت أتحدث مع ديفيد لتوي، سيأتي معي.
هزَّ ستونر رأسه كأن أصابه دوار.. ديف ماسترس؟!
بالطبع، قال فينش وصوته مفعم بالعاطفة، وستقوم بدورك، نحن جميعاً في قارب واحد الآن يا بيل، نحن جميعاً فيه معاً.
ديفيد ماسترس هو النموذج الثاني الذي قدّمه لنا ويليامز هنا، كان على أعتاب الدكتوراه في الأدب الإنجليزي مثل ستونر. جلس ستونر أمامه على منضدة المقصورة وسأله عن قراره بالانضمام للجيش أجابه: بالطبع، ولم لا؟
وحين سأله لماذا، قال: أنت تعرفني جيداً يا بيل، لا يعنيني الألمان في شيء وللحق، ولا الأمريكان أيضاً، على ما أظن. ثم نفض رماد غليونه على الأرض ومسحه بحذائه. «ظني أنني أقوم بهذا لأن الأمر سيان سواءاً قمت به أم لا، وقد يكون الترحال في العالم ممتعاً قبل العودة مرة أخرى للرهبانية والتحلل البطيء الذي ينتظرنا جميعاً».
أومأ ستونر برأسه وقال: جوردن يريدني أن أسجل معكما.
ابتسم ماسترس وقال: جوردن يعيش اول لحظ فضيلة مرت به في حياته، وبالطبع سيرغب في أن يعيشها الجميع معه، ليستمر في إيمانه. بالطبع ولم لا؟ أنضم معنا. قد يفيدك أن ترى حقيقة العالم. سكت ونظر إلى ستونر باهتمام، وتابع: لكن إن أردت فعل ذلك، فبحق المسيح لا تفعله في سبيل الله أو الوطن أو جامعة ميزوري العزيزة. بل قم به لنفسك.
أما النموذج الآخر الذي ذكر في الرواية هو البطل ستونر طالب دكتوراه ويشغل درجة معيد في الكلية، ذهب ستونر إلى سلوان ليتحدث معه عمّا لم يقرره تماماً بعد، فقد سلوان الذي طالما عامله بسخرية محايدة وودودة، أعصابه. أحمرّ وجهه الطويل النحيل، وغارت الخطوط المحيطة بفمه عميقاً بغضب، وكاد ينهض من كرسيه ليواجه ستونر، ويداه منقبضتان، ثم عاد يجلس وبسط قبضتيه عن عمد ومدّ يديه على مكتبه، كانت أصابعه ترتعش، لكن صوته ثابت أجش.
قال: عذراً لهذا العرض الفجائي، لكنني في الأيام القليلة الماضية فقدت حوالي ثلث أعضاء القسم، بلا أمل في العثور على بدائل لهم. لست غاضباً منك أنت، ولكن… سكت وأدار ظهره لستونر، وشخَّص ببصره خارج النافذة.. ثم قال: ولدت عام 1860 قبل حرب الثوار، لا اتذكرها بالطبع، كنت صغيراً جداً، ولا اذكر أبي أيضاً، قُتل في العام الأول من الحرب في معركة شيلوه. نظر إلى ستونر سريعاً. «لكنني أعرف التبعات، الحرب لا تقضي على آلاف أو مئات الآلاف من الشباب فحسب، بل على شيء ما في الشعوب لا يمكن إستعادته مرة أخرى أبداً. ولو شهد الناس حروباً كثيرة، لن يتبقى سريعاً سوى البهيمية, والكائن الذي رفعناه- أنا وأنت وآخرون مثلنا من طين».
سكت طويلاً، ثم ابتسم برفق وقال: لا يمكننا ان نطلب من طالب العلم أن يدمر ما يعدّ بناءه الهدف من حياته.
سعل ستونر وقال بخجل: الأمر كله يحدث بسرعة، بطريقة ما لم يخطر ببالي هذا الأمر قط، حتى تحدثت مع فينش وماسترس، وما زال الأمر يبدو لي غير حقيقي.
قال سلوان: إنه قرارك إذاً اتخذه بنفسك.. ثم سأل ستونر، تذكر ما كُنته وما اخترت أن تكونه، وأهمية ما تفعله… للبشرية حروب وهزائم وانتصارات ليست بعسكرية ولا ذكر لها في كتب التاريخ. تذكر هذا وأنت تقرر ما ستفعله.
ظل ستونر ليومين لا يذهب لجامعة، ولا يتحدث مع أحد يعرفه. بقي في غرفته الصغيرة يناضل مع قراره، تحيطه كتبه وهدوء غرفته.. حين توصل لقراره أخيراً، بدا أنه كان يعرفه طوال الوقت. قابل ماسترس وفينش وأبلغهما أنه لن ينضم معهما ليقاتل الألمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى