النسخة الرقمية

كفّ الأذى

إنّ الرقيّ الإنسانيّ يستشفّ من رقيّ علاقة الإنسان بما يحيط به, وما ذلك إلّا لأنّ الإنسان بما زوّده الله تعالى وفضّله به على سائر خلقه من العقل، يستطيع من خلال تسليطه على تصرّفه في نفسه وفي محيطه الاجتماعيّ، من الرقيّ إلى أعلى مراتب الإنسانيّة, وبالتالي الحفاظ على محيطه في حالةٍ يسمّيها البعض بالتحضّر, وآخرون بالكمال, إلّا أنّها في النهاية هي الحالة المثاليّة التي يأملها كلّ إنسان ذي فطرة سليمة, وكلّ ساعٍ نحو الكمال..ولأنّ هذا الكمال لا يتحقّق إلّا من خلال تكامل العلاقات الاجتماعيّة، وعلاقة الفرد بمحيطه بشكل عامّ, كان لا بدّ من تسليط الضوء على موضوع يحتلّ الصدارة في أولويّات دعوات الأنبياء, وكلّ دعاة الكمال, وهو الخلق الكريم، الذي يتحقّق بكفّ الأذى والنزعات المفرطة للهوى، وفي المقابل يؤدّي ذلك إلى جلب الخير والمنفعة للإنسان وللمجتمع..وما بين يديك عزيزي القارئ؛ نظرة من جهات متعدّدة لهذا المفهوم الكبير، ومحاولة لتسليط الضوء على أهمّ جوانبه عسى أن يكون هذا الكتاب معيناً ينهل منه كلّ روّاد الخير، ويستفيد منه دعاة الإصلاح، ويتروّى منه طالبو المعرفة… تتحدّث الآية الكريمة في مطلعها عن الاستقامة, واصفةً ثلّةً من المؤمنين بأنّهم آمنوا بالله, ثمّ استقاموا، وفسّر العلماء الإستقامة هاهنا بالعمل على مقتضى الإيمان بالله تعالى ونبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام, أي على هداهم وما أمروا به عن الله تعالى..ثمّ ذكرت الآية الشريفة ما أعدّ لهم الله تعالى على الإيمان والاستقامة، وذكرت فضل الدعوة لله تعالى والعمل الصالح، ومن ثمّ ذكرت أمراً في غاية الأهمّيّة، وهو الشاهد الأهمّ الذي سنسلّط الضوء عليه، ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾..في نظرة دقيقة لهذه الكلمات النورانيّة، نستشفّ منها إشارات هي لبُّ الأخلاق، وأساس الفضيلة، منها:إنّ الحسنة والسيّئة وإن كانتا من ناحية إرادة الإنسان أمرين يصدران بالإختيار،إلّا أنّهما من جهة الأثر مختلفتان..فالحسنة والسيّئة لا يمكن أن يُنظر إليهما في علم الأخلاق على أنّهما مجرّد فعلين صادرين عن إنسان مختار، يمكنه أن يفعل ما يحلو له، بل ينبئان عن مسلك اجتماعيّ يختاره الإنسان، وعن أثر يتركه اختيار أحد هذين المسلكين..فالحسنة وإن كانت تعود بالنفع الأخرويّ على صاحبها بالدرجة الأولى، إلّا أنّ لها أثراً لا يمكن التغافل عنه في الدنيا، وهو التأثير في المحسن إليه، حتّى ولو لم يكن من البشر، بل من ذوي الأرواح، فحتّى الإحسان للشجرة من خلال تشذيب أطرافها وتجميلها، يترك فيها أثراً ظاهراً، وكمالاً في حسن نموّها وحسن مظهرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى