لماذا كان الإسلام الطريق الوحيد ؟
السيد عباس نورالدين
جوهر التديّن ومعدنه الأصيل هو التسليم لله تعالى في تدبيره وتشريعه،في قضائه وفي أوامره. والتسليم يعني القبول بالفكر والقلب،ويثبت بالالتزام العمليّ والانقياد الفعليّ ويرسخ..ما لم نكن مسلّمين لله بأنّ كل ما يقدّره لنا ويقضيه في حياتنا هو الخير الذي يجلب لنا النفع والصلاح، حتى لو كان بظاهره ضارًّا ومؤلمًا، فهذا يعني أنّنا لم نخطُ الخطوة الأولى على صعيد الإسلام..وللإسلام الذي قال الله تعالى عنه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرين} بعدان:البعد الأول:هو الدين الذي هو مجموع الشرائع والأحكام التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)..والبعد الثاني: هو حالة التسليم التي تبدأ من الفكر والقلب وتتم بالعمل والبعد الأوّل يكون مقدّمة للثاني، والثاني يكون هدفًا وغاية له. فإذا إلتزمنا بما جاء به خاتم الأنبياء، نصبح إن شاء الله مسلمين..لقد جاء جميع الأنبياء لصناعة هذا الفرد المسلم؛ ففي ظلّ التسليم لربّ العالمين ينال الإنسان مقام القرب ويبلغ أقصى مديات السعادة والكمال. وقد كانت الوصيّة الأولى والأخيرة لكلّ نبيّ ورسول هي {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون}وكان لخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله فخر تحقيق هذا المقام الإنسانيّ الرفيع بأسهل وأيسر طريقة؛ كما قال (صلى الله عليه وآله): «لَمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَلَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ».فلله الشكر أن عرّفنا على إسلام خاتم الأنبياء، وخلقنا في بيئة لا تعيش الكراهية والحقد والعصبية تجاه هذا النبيّ العظيم..وإنّ طريق معرفة قضاء الله وقدره سهلٌ يسير، لأنّ القدر يتحقّق أمامنا ويحدث لنا؛ لكن التسليم لهذا القضاء والرضا به وعدم الاعتراض عليه أمر يتطلّب درجة من اليقين بأنّ الله رحيم وعادل وغفور وودود وبيده أزمّة الأمور؛ ولهذا قيل أنّ التسليم للقضاء والقدر يتحقّق بعد مرحلة التسليم للحكم والتشريع.. فمن خلال الالتزام العمليّ بأحكام الله تعالى تتمرّن النفس على التسليم لقضاء الله وتصبح مستعدّة للرضا بتقديره..إنّ فقهاء الإسلام العظام لم يتركوا إشكالًا يرتبط بطريقة استنباط الفتاوى إلّا وطرحوه قبل أن يطرحه عليهم أحد؛ فقاموا بمعالجته وتحليله تحليلًا علميًّا مضنيًا عميقًا شاملًا؛ لأنّهم يعلمون مدى وخامة العاقبة وسوء المصير إن هم قصّروا أو أهملوا أو تجاهلوا أي دليل يمكن أن يوصلهم إلى معرفة الحكم الإلهيّ. وقد وفّقني الله تعالى أن أقضي شطرًا مهمًّا من عمري وأنا أدرس طريقتهم وأتعرّف إلى منهاجهم العلميّ، بالإضافة إلى مطالعة أحوالهم والتأمّل في سيرتهم. فلم أجد سوى الموضوعية والإنصاف والاجتهاد والعمل الدؤوب وروحية قبول النقد إلى أقصى الدرجات. ولو تساءلت عن سبب وجود بعض الاختلاف فيما بين الفقهاء أنفسهم على صعيد بعض الفتاوى، وكنت مطّلعًا على أحوالهم تلك، لعلمت يقينًا أنّ ذلك لا يرجع إلى أي نوع من الأغراض السيئة أو التعصّبات الفئوية والجنسية أو الجهالات العمياء؛ وإنّما كان مردّ هذا الاختلاف التفصيليّ إلى التفاوت في قدراتهم العلمية فحسب. ولهذا، نختار الأعلم من بينهم حين نريد الوصول إلى الحكم الشرعيّ..إنّ التقليد مصطلح شائع بين المتديّنين؛ وهو يعبّر عن روحية طيبة وذهنية واعية تجاه قضية الإسلام والتسليم. فإذا دار الأمر ما بين أن أحدّد الحكم بنفسي وأنا شخص قليل الاطّلاع على كلمات المعصومين وسيرتهم، وغير عارف بأساليب الاستنباط ومناهجه، وليس لي قدرة التمييز بين المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ في القرآن، ويصعب عليّ معرفة الرواية الصحيحة من الموضوعة والمدسوسة، ولست خبيرًا بنحو المحاورات وقواعد التعبيرات في اللغة التي نزل بها القرآن وتكلّم بها المعصومون وبين أخذ الحكم عن عالمٍ فقيه متبحّر يعرف مناهج الاستنباط وأصوله ويتقن تطبيق قواعده ويقضي وقتًا طويلًا في البحث والتعمّق والفحص والدراسة في كل شاهد ممكن، فأي عاقل يختار أن يتّبع نفسه ويعمل برأيه؟فبسبب جهلنا ببيئة عملية استنباط الأحكام العلمية الدقيقة العميقة الواسعة الشاملة المجهدة الموضوعية، انطلت علينا مقولات الأجانب الذين صوّروا الفقهاء كمجموعة من المشايخ الذين يصدرون الفتاوى لمجرّد انتسابهم إلى إكليروس الحوزة أو وضعهم العمامة على رؤوسهم أو إطالة لحاهم. وقد انقطعنا عن العلم والعلمية وجهلنا كيف يكون العالم وكيف يجري البحث العلميّ لمعرفة الأحكام، فاستسهلنا الرد على الفقهاء واستنكار ما يحكمون به. ولو أنّنا رسّخنا ذهنية العلم والتعلّم بعدّها طريقة معرفة الدين والأحكام، ونبذنا الجهل والأهواء، وعرفنا الفارق بينهما، لاحتطنا في إعلان المواقف التي تفضح جهلنا وتكشف زيف إسلامنا.



