واقع العملية السياسية بعد ستة أشهر
محمد حسن الساعدي
يبدو أن الواقع السياسي صعباً للغاية لدرجة أن أية خطوات نحو الاصلاح لم تبدأ ، وعلى مدى الأشهر الماضية لم تكن حكومة عبد المهدي قادرة على التحرّك نحو الاصلاح أو انها تشكر التلكؤ والدليل عدم اكتمالها بعد مرور ستة أشهر على تشكيلها ، ما يعطي انطباعا للمتابع انها بداية غير مشجعة بالمرة ، الأمر الذي يجعل كل خطوات الاصلاح حبراً على ورق وما نتج من مسميات ولجان ومجالس ليست إلا محاولة لتهدئة الشارع ، والدليل التقرير الأخير لهيأة النزاهة الذي لم يكن على قدر المسؤولية في التعاطي مع ملفات الفساد في الدولة أو ربما لكسب ود جهات على حساب جهات أخرى ، خصوصاً ونحن نعلم ان الحكومة مقيدة وأن عبد المهدي لا يتمكن من الحركة إلا بأذون محددة من هذه الكتلة أو تلك ، مما يجعل أية خطوة نحو الاصلاح تواجه العقبات السياسية من جهة ، والمصالح الفئوية من جهة أخرى ، وما يقوم به رئيس الحكومة ما هي إلا محاولات من أجل محاسبة هنا أو إعفاء أو نقل هناك، وهذه الخطوات لا تسمو الى درجة المحاسبة ومعاقبة السراق الذين أمتطوا أموال العراق لأكثر من خمسة عشر عاماً، ومن يقرأ برنامج حكومة عبد المهدي يتأكد تماماً أن تطبيقه في ظل هذه الظروف يبدو صعباً جداً، وعلى الرغم من القناعة التامة أن الوضع السياسي لن يتغير في ظل سلطة الأحزاب إلا ان الحكومة تسابق الزمن من أجل تسجيل حسنة في سجلها ، فهناك فرق بين من يكتب البرنامج على ورق وبين من يطبقه على أرض الواقع ، كما أن التصعيد سيكون سيد الموقف إذا ما بقيت الحكومة تتبع لضغط السياسيين، لان هذا الضغط هو من أوصل عبد المهدي الى رئاسة الوزراء . العملية السياسية بعد سقوط النظام البائد تحملت الكثير من النكبات ، والصدمات ، وكادت في أكثر من مرة ان تتعرض الى الانهيار ويمكن ان نعزوه الى أسباب عدة ، فمرة يكون عدم التعاطي الجدي مع العملية السياسية من السياسيين أنفسهم ، وهذا سببه يعود الى ضعف القراءة والرؤية السياسية لدى البعض ، والذي بالتالي انعكس بالسلب على العملية السياسية ، ومرة نعزوه الى فقدان الثقة بين السياسيين أنفسهم ، فالأكراد هم أنفسهم الأكراد قبل السقوط ، ونفس الشخصيات التي كانت تقف مرة بالضد من صدام أو التي تقف معه وتحارب الأطراف الأخرى الكردية ، والجانب السني هو الآخر ابتلي بسنيته ، فكان الجميع يحسب انه من أتباع النظام البائد ، ويحسبون على هذه الفترة حتى وان كان جزء منهم ممن عارض صدام أو خالفه أو خرج على طاعاته ، فأصبح يحسب من المعارضة ، وأما الشيعة فهم عاشوا كل الفترات وهم على حالهم لم يتغير شيء في واقعهم ، بل ابتلوا بسياسيين لا يفقهون شيئاً من السياسة.
هذا الواقع جعلنا نقرأ الواقع السياسي ، بأنه واقع مزرٍ ولكن يمكن له الصمود مطلقاً ، وكان في أغلب الأوقات يتعرض للاهتزازات القوية ، ولكن تتدخل المرجعية الدينية ، وتقف على الخطأ وتصيح بأعلى صوتها لعلها توقظ النائمين من سباتهم ، كما ان هذه الأزمات والصراعات بين السياسيين أنفسهم خلقت نوعاً من العداء الذي نما حتى أصبح مواجهة في بعض الأوقات ، فكان صراع المركز من الأكراد صراعاً وصل فيه الطرفان الى المواجهة المسلحة ، والتهديد والوعد والوعيد ، الى جانب الصراع الشيعي – الشيعي هو الآخر يلقي بظلاله على المشهد السياسي بشكل عام ، ويجعل المتغيرات السريعة هي سيدة الموقف فيه ، وربما لا نستغرب ان نرى قريباً انهياراً لمواقف كتل أو تغييراً في سياسة الحكومة الحالية.



