وإذ يتعملقُ القزمُ
سعد تركي
كما يصرّ صاحب صوت نشاز صدئ جاهل بأصول الغناء، أنه مطرب فنان لم يؤتَ الفرصة ولا الحظ كي يأخذ مكانة يستحقها، ثمة كثيرون من حولنا يظنون أنهم نالوا نصيباً أقل بكثير مما يمكن أن ينالوه لولا أنهم عاشوا في زمن رديء. قد يكون منشأ هذا الاعتقاد، المفضي بالتأكيد إلى شعور دائم بالظلم واليأس والقنوط، هو ما درجت عليه السلطات التي تعاقبت على الحكم في منح الامتيازات إلى فئة بعينها وإغفال الآخرين، مما ولّد قناعة ـ يبدو أنها تورثت ـ لدى نسبة كبيرة من مختلف القطاعات أنهم مستبعدون مقموعون، وأن هناك سدّاً وسوراً عالياً يحرمهم من مكانة أو ثروة يستحقونها، أو يُحرم الوطن أن يفيد من أفكارهم النيرة وعقولهم العبقرية.
بالضرورة، يكوّن كل إنسان مفهوماً عن ذاته يُفترض أنها تتناسب مع الخصائص والقدرات والمواهب التي يمتلكها، وينبغي أن يشعر بمكانته وحجمه وأهميته من خلالها. فإن تضخّم مفهومه عن ذاته بدرجات أعلى من مهاراته وقدراته صدّه الفشل ولجأ ـ غالباً ـ إلى حجج ومبررات ليس من بينها أنه غير مؤهل، وإن قنع بنصيب أقل منها (المواهب والقدرات)، لخلل نفسي ما، فقد تنازل عمّا يستحق. ومثلما سيصاب بالإحباط والقنوط والشعور بالمرارة من يظن بنفسه ـ مثلاً ـ رياضياً بارعاً وهو لم يجتهد ولم يمتلك مواهب الأبطال، فإن من يحوز هذه المواهب ولا يمدّ يده لاقتناص «الجائزة» فاشل أيضاً.
لن تعدم، في أيّ مكان تحلّ فيه، أن ترى من هو على يقين لا يأتيه الباطل أنه الأذكى والأكثر موهبة وقدرة وكفاءة من الجميع .. أبرع الساسة لا يمكن أن يجاريه فطنة وخبرة وسداد رأي .. أفضل (جاكي) يعجز عن مجاراة فهلوته وشطارته في قيادة السيارات وربما الطائرات أيضاً .. أشجع الأبطال يصير فأراً لو قاده سوء حظ لمواجهته .. الفائزون بجوائز نوبل والأوسكار يهبونه أوسمتهم ونياشينهم ـ عن طيب خاطر ـ إجلالاً لعلومه وفنونه إن ناقشهم وحاورهم .. ما من مشكلة في الكون ـ عظمت أو ضؤلت ـ ليس لها حلّ لديه. إلا أن معضلته الكبرى في حظه العاثر الذي أوجده في زمن لم يعطه ما يستحق، وفي مكان لمّا يتهيأ بعد للاستفادة من مواهبه وعلومه العظيمة.
لعل إدعاء فرد ما بما ليس فيه لا يشكل مشكلة أو معضلة إلا له، غير أنه حين يتصرف على وفق هذا الإدعاء فيمكن أن يسبب ضرراً كبيراً .. فإن كان موظفاً فإنه لن يلتزم بما تملي عليه تعليمات مديره (الجاهل) بفنون الإدارة، ولو كان سائقاً فسينظر إلى زملائه على أنهم جميعاً لا يستحقون قيادة عربة يجرها حمار .. المعضلة حين يكون أحد هؤلاء رجل أمن فيعتقد ـ جازماً ـ أنه أهمّ من الآخرين ويحق له التجاوز والتطاول عليهم.. المصيبة أن يظن ممرض صحي أنه أفضل من طبيب جراح فيُجري عملية قلب مفتوح .. الداهية الكبرى أن يكون سياسياً فلا يسمع سوى أفكاره التي تقود البلاد والعباد إلى الخراب والموت.. الطامة العظمى إذ يفتح عينه ـ حين يفتحها ـ فلا يرى أحداً يستحق الحياة.
نعلم ـ بالخبرة ـ أن المرء يزداد تواضعاً كلما زاد علمه وانفتحت مغاليق عقله، لأنه سيدرك عظيم ما يجهل قياساً لضآلة ما يعلم ويعرف. ننظر حولنا إلى تكاثر المتعالمين، فتأخذنا الرعدة والخشية من أن بلاد الشمس والنور والسلام والحرف الأول تسير بخطى سريعة إلى العتمة والظلام.



