المصداقية و انفصام الشخصية
سهى الطائي
يعيش كل منا حياته الخاصة التي قد يحتفظ بجزء كبير منها دون البوح به للناس، وقد يُظهر ما يريد ويخبئ جزءاً آخر فيضع خطوطاً حمراء تدل على عدم الاقتراب أو المساس. وبعد التطور التكنولوجي الحاصل في مواقع التواصل خرج الكثيرون عن صمتهم المهيب والذي كان سابقا من أهم الأشياء التي يقومون بإخفائها فأصبح الكل يعرض بضاعته للناس، فمنهم من فتح شباك بيته للناظرين وآخرين شرعوا الأبواب للداخلين، فلم تعد البيوت أسراراً وأصبحنا نعلم بمنشور بسيط ما أكلوا وما شربوا أين خرجوا ومن أي أتوا. وقد يسأل آخرون عن تقييم لملابس تم اقتناؤها فخرا وترددا في اذواقهم، قد يتراءى في أذهاننا الكثير مما شاهدنا ونشاهد وليس هذا فقط ، فالكثير حين يرى أجواء وحالات لم يعشها أو ربما حالته المادية لا تسمح له باقتنائها أو لا يمكنه عرض بضاعته كما يفعل الآخرون، لعدم قدرته مثلا على دخول أماكن فارهة أو عمل حالة بتناول الطعام بمطاعم الخمسة نجوم فيقوم بعمل صفحة مستعارة يعيش بها كل ما يتمنى أن يفعله وان كان الأمر خيارا، فيختار اسما غريبا أو لقبا ملفتا ثم يضع صورة لشخص يرتدي بدلة انيقة ويحمل سيجارة غالية في أماكن خلابة. يخرج من فقره المقيت ليرمي نفسه في الترف المصطنع، وقد لا يكتفي البعض بهذا فمنهم من يقوم بالسرقات الأدبية مستعملا سلاح النسخ واللصق المخزية، فيدعي انها كتاباته، وحين تكلمه على الخاص تراه يجهل حتى الاملاء ويدعي انه أديب مرموق.
حدثني أحدهم بزوال المصداقية في عالم التواصل والسماء الزرقاء، حيث قال: «لم نعد نعرف المظلوم من الظالم، والمجروح من الجارح، الكل يشكو من نزف جرحه ومن ألم طعنه، فأصبح الكل يوسف والذئب مجهول». وقد يعيش الإنسان جزءاً من انفصام الشخصية والذي أثبتت الدراسات العلمية أن الانفصام هو اضطراب عقلي حاد يمكن أن يؤدي إلى الهلوسات والأوهام والتفكير الخيالي وغير الواقعي يؤثر في سلوك وتفكير المصاب.
وقد نرى أن البعض يسعى إلى أن يكون نجماً لامعاً في هذه السماء، ومنهم يصرُّ على أن يكون شمس العصر السريعة الافول التي تظهر بأنها ذات رونق وبهاء. ويقال إن باستطاعة اي انسان ان يخبئ عيوبه بقليل من القماش لكن شخصيته تظهر بعد أول نقاش، فهنا وبما انه الجسد ليس ظاهرا للعيان، فيقوم المستخدم باختيار أجمل الأسماء وأحلاها، فقد تقوم بعض الفتيات باختيار أسماء من «رياض الجنة» ويظهر في حقيقتها انها من «سقر جهنم» بعد التواصل ومعرفة الفحوى والجوهر، والذي يخيل لنا أنه الماس وبعد التنقيب يظهر انه فحم أسود! وقد يلجأ الكثير من الناس دون تمييز بين الجنسين بالكثير من هذه الحيل الاجتماعية للبحث عن جمهور يشاهد تقمصاتهم الوهمية، أو ربما بحثا عما ينقصهم. وقد نلاحظ أخيرا أن الشباب هم أكثر ما يستعملون هذه الأساليب وخاصة في شغفهم للتحدّث مع أنثى فيقومون بعمل مواقع بأسماء الإناث ويتواصلون مع الناس، وخاصة الجنس اللطيف على هذا الأساس. وقد يظهر الانفصام على أشكال أخرى فمثلا أن يدعي أحدنا المثالية في الحديث فيظهر انه لا مثيل له في التعامل مع الناس فهو الهادئ السمح الرائع الجميل، الذي تتمناه كل امرأة. والمصيبة أو الصدمة أن حتى زوجته تندهش حين ترى أسلوب زوجها المغاير على الواقع، فتقوم هي الأخرى لتتمنى زوجها صاحب المثالية والذي لا يصدر منه كلمة شكر لها، ويعمل دائما في صفحته على نصح الناس فيكتب بحروف امتنان «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، وهو بنفس يوم منشوره المزيف لم يصدر منه حرف شكر لمن حوله ممكن يعملون على راحته، ويقدمون له ما يمكن ويحاولون في غير الممكن.
ولا يقتصر ادعاء المثالية على الرجال فقط، بل والنساء أيضا، فهي التي تحاول جاهدة أن تظهر جزءاً من بيتها بأجمل حلة وقد يكون باقي أجزاء البيت فيه فوضى عارمة، لتظهر مدى أناقتها ونظافتها أو أن تعلن عن صور أبنائها وتضع حروف الحب الجياشة على الصفحات، وهي قبل قليل استعملت أشد العقوبات بالضرب لسبب أو من دونه مع أطفالها.
بالتالي ولأن الإنسان فطر على الخير وهذا يجعله بأن يحب الشخصية المثالية التي طالما تمنّى الوصول لها دون جدوى، فيتعلق بشخصيته الجديدة والتي صنعها دون تعب أو محاسبة، فنرى انه قد تعلق بها لذا يحاول أن يعيش أكثر ساعات يومه وهو يطالع شخصيته المحبوبة فيترك وجوده على الواقع ويلتزم اسمه المستعار الجميل وشخصه الفذ المقبول.
ربما يتساءل الكثيرون: ما الحل ؟ وبنظري أن لا حل إلا بالمواجهة وان يصارح أحدنا الآخر حين نراه يستخدم هذه الحيل لسعيه بالقبول بين الناس، فنقول أن هذه هي ساحة القتال ومكان المعركة الحقيقي، فشمر لها وأظهر كل أسلحتك لتكون البطل المغوار ولا تحمل مدافع، وأنت متأهب لأي عدو، وأنت ترقد هناك في الخيال، فلا طلقة ستنطلق لقتل عدو، ولا ذراع سيشرع لاحتضان الأحباب، فعش حياتك كما هي وحافظ على اسلوبك الحقيقي في الحل والترحال مواقع التواصل دون كذب أو نفاق.



