نهج أهل البيت «عليهم السلام» في إعانة المحرومين
يؤكد القرآن الكريم في مجموعة من آياته نهج التكافل المادي مع المحرومين وأصحاب العوز.. ففي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)..ونلاحظ موقف التمجيد بالتكافل المادي معهم، وفي قوله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)ونجد دعوة للتكافل الأدبي مع السائل خاصة، ويستلزم ذلك الدعوة لاحترامه وصون كرامته وجاء في تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، «المحروم: المحارف الذي قد حرم كدّ يده في الشراء والبيع». وعن الصادقين (عليهما السلام): «المحروم الرّجل الذي ليس بعقله بأس، ولم يبسط له في الرزق، وهو محارف» وعلى كل حال فإن مبدأ التكافل يستدعي التضامن مع هؤلاء، وخاصة السائل الذي يكشف لك عن إمارات وعلائم عوزه من خلال سؤاله، والتعاليم السماوية عموماً تحث على إكرام السائل، ففيما اُوحي إلى موسى (عليه السلام): «اكرم السائل إذا أتاك بردّ جميل أو إعطاء يسير وعن زين العابدين (عليه السلام): «حقّ السائل إعطاؤه على قدر حاجته»وترتقي مدرسة أهل البيت: في مجال التكافل إلى مستوى إنساني رفيع، بكفالتها للسائلين من أهل الأديان الأخرى..وضمن هذا الباب تؤكد تعاليم مدرسة أهل البيت: على استحباب قناعة السائل ودعائه لمن أعطاه، وزيادة إكرام السائل القانع الشاكر، فبإسناد ينتهي إلى مسمع بن عبد الملك قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمنى وبين يدينا عنب نأكله، فجاء سائل فسأله، فأمر له بعنقود فأعطاه، فقال السائل: لا حاجة لي في هذا، إن كان درهم، فقال (عليه السلام): «يسع الله لك ولم يعطِه شيئاً. فذهب ثمّ رجع فقال: ردّوا العنقود، فقال (عليه السلام): يسع الله لك ولم يعطِه شيئاً، ثمّ جاء سائل آخر فأخذ أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاث حبّات عنب فناولها إيّاه، فأخذ السائل من يده، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): مكانك فحثا مل ء كفّيه عنباً فناولها إيّاه، فأخذها السّائل من يده ثمَّ قال: الحمد لله ربّ العالمين، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): مكانك يا غلام، أي شيء معك من الدّراهم؟ فإذا معه نحو من عشرين درهماً فيما حزرناه أو نحوها، فناولها إيّاه فأخذها ثم قال: الحمد لله هذا منك وحدك لا شريك لك. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): مكانك، فخلع قميصاً كان عليه، فقال: إلبس هذا، فلبس ثمّ قال: الحمد لله الذي كساني وسترني يا أبا عبد الله، أو قال: جزاك الله خيراً، لم يدع لأبي عبد الله (عليه السلام) إلا بذا، ثمّ انصرف فذهب، قال: فظننا أنّه لو لم يدع له لم يزل يعطيه لأنّه كلّما كان يعطيه حمد الله [على ما] أعطاه».
هكذا كان نهج آل البيت: مع السائل ضمن دائرة التكافل، وهكذا كان أدبهم الرَّفيع في العطاء معهم. فهو يريد من السائل أن لا يغفل عن الله تعالى الذي هو مصدر الرّزق والعطاء، وأن يدرك بأن الإنسان المنفق، وأن سمت مكانته وعلا شأنه ليس إلاّ مجرّد وسيلة للفيوضات الإلٰهية.



