النسخة الرقميةثقافية

«إِستيقظ كي تحلم» لمريد البرغوثي.. نشيد الوجع الفلسطينيّ

ليندا نصار

«استيقظ كي تحلم» ديوان جديد للشّاعر مريد البرغوثي صدر عن دار الرّيّس عام 2018، وهو يضمّ ثلاثة أجزاء: يتكوّن الجزء الأوّل من مجموعة قصائد تحمل عناوين مختلفة، يربطها الفيض الشّعوريّ، ويختتمها بقصيدة مهداة للشاعر محمود درويش. أمّا الجزء الثاني فقد أدرجه تحت عنوان أساس وهو «منطق الكائنات مرّة أخرى». والجزء الثالث خصّصه لزوجته رضوى عاشور وهو بعنوان «وثيقة».
و أنت تتصفّح الدّيوان تراه يصلح لأن يكون وثيقة أدبيّة تجزّأت إلى عدّة قصائد، لما تحمله من رسائل عميقة طغت عليها شعريّة عالية تلامس الرّوح. فقد تحكّم مريد البرغوثي بشعره ليجعله ناطقًا بلسان كلّ إنسان يعاني وجعا في مجتمعه وبلاده. فكان من الطّبيعيّ أن يستمدّ هذا الشاعر مفرداته التي تسعفه من الواقع المعاش، ليكوّن قصائد تعبّر عن الهمّ الإنسانيّ، إثر فقدان الأوطان العربيّة، بعد أن غرقت في المصالح الشّخصيّة وسوء السّياسات.
إذا ما فقدنا الأحلام
منذ العنوان، «استيقظ كي تحلم»، نتساءل: ترانا أمام أيّ وجع إذا ما فقدنا الأحلام الّتي تشكّل الأمل الوحيد للإنسان بعد كلّ الانهزامات وحسرات السّقوط؟ أتراه يحدّثنا عن حلم اليقظة أو أنّه حلم نوم قد يتحقّق وقد يبتعد إلى حدّ ما عن الحقيقة؟ و أ هو حلم الماضي أم الحاضر؟ وسط هذه التّساؤلات، يأخذنا عنوان الدّيوان الّذي يعدّ العتبة المؤهّلة للولوج في أعماقه وتحليل خفاياه. ففي الحياة غالبا ما تأتينا الأحلام ليلا بفعل لا إراديّ وتكون مستمدّة من الأحداث اليوميّة، أمّا هنا فتجد نفسك أمام دعوة للتّحكّم بالحلم، وكأنّ الشّاعر يدعو القارئ إلى تسيير حلمه بالفعل الإراديّ كأن يقول له: «اصنع حلمك»، «استيقظ كي تحلم» أو استيقظ من الظّلم كي يبدأ الحلم الجميل، أي استيقظ وقم بفعل أو بحركة لترتّب حياة جميلة.
أمام هذا الكمّ، وهذا الزّخم من الشّعر، تجد نفسك بمواجهة صفعة في وجه الصّمت الخبيث، إذ يلتقط الشّاعر أدنى الذبذبات للأحداث، ويحوّلها إلى قصائد صارخة ناطقة تهزّ الجمود. وبمفرداته المألوفة تلقى نفسك أمام السّهل الممتنع في سرد الأحداث الواقعيّة واليوميّة، والتعبير القويّ عن جراح الوطن. كذلك تبدو قوّة النّبرة من خلال المتناقضات المتقطعة بالفواصل ذات الوتيرة السّريعة، المتجلّيّة من خلال الأفعال أيضًا، والمعبّرة عن مفارقات القبح والجمال (وها نحن نمشي معا في صباح الجبال/ نقول ونسمع نتعب ونبطئ نرتاح ونسرع/ نغضب نغفر…). فإيقاع الحياة اليوميّة تمّ حصره في إطار إيقاع الشّعر. كذلك تتبدّى لنا النّبرة القويّة الصّارخة من خلال أفعال الأمر خصوصا، إثر مخاطبته لتاريخ زائف، لا ينصت لأيّ كان. ترى من ينقذ التّاريخ من زيف الحقيقة؟ من يصنع تاريخا حقيقيًّا موضوعيًّا، عدا الشّعراء الحقيقيّين؟
يبدو البرغوثي بصورة الشّاعر المتأمّل بالأحداث، فيأتي شعره توثيقًا لتاريخ يحلم بتوضيح حقيقته. كذلك تصدر القصائد عن موقف عقليّ مقترن بالعاطفة التي تخفّف من حدّة اللّهجة وتزيد منها أحيانا، وسط قهر يعانيه الشّاعر من الظّلم التّاريخيّ، بحيث تحضر الأنا الكاتبة لتعبّر عن رؤية شعريّة منحاها يسير باتّجاه واحد: فلا خيار هنا إلّا الاستمرار، أو يكون المصير موتًا حتميًّا. ولا تراجع عن القضّيّة. من هنا تأتي القصيدة محمّلة بشحنات الأمل، الّذي أصبح شبه مفقود، بل تصبح هذه القصائد مداواة لأعطاب الرّوح، وقدرة تعيد تركيب شظايا الذّاكرة، وهذا الأمر لا يتمّ إلا بوساطة الشّعر علاج النّفوس.
تطالعنا القصائد بشعريّة ترافق كلّ النّصوص، فيظهر الانزياح الدّلاليّ من خلال الإشارات غير المباشرة، وبثّ الصّور التي تعبّر عن رؤية وبكاء صامت، وهذا الأمر لا يتقنه إلا شاعر عاين الوقائع التّاريخيّة، وحمل شعلة الشّعراء ليتابع القضيّة بالقصائد. إنّه يكتب نشيد الوجع الفلسطينيّ، الممتدّ عبر الزّمان، بلهجة تتراوح ما بين الهدوء والصراخ الداخليّ. فشعريّته ممزوجة بتراب الأمل، بعد أن تمّ التّحكّم بالأرض فخضعت للاستبداد. هكذا يخرج شعره ساخطا ثائرا في وجه الظّلم والاستعباد، حروفه تتسلّل إلى عمق القارئ لتحرّك في داخله صرخة نائمة ستستيقظ يوما ما.
المزج بين الماضي والحاضر
من خلال المزج بين الماضي والحاضر تتكوّن قصيدة البرغوثي، وتحضر فيها صور الحرب، والموت، والاستبداد، والظلم، والغياب. فيستوحي الصور من ماض يدعوه بشكل موقّت، وهو لن يعود إلّا في الأحلام، لتأتي اليقظة على شكل صفعة، تعيده إلى الواقع المرير المسجون وسط حدود خارطة المكان. كلما تقدّمنا في القراءة يتّسع أفق الرّؤية، وتزداد الذّاتيّة وتطغى عاطفة الشّاعر، بحيث تعجز اللّغة عن التّعبير عمّا يراوده من أفكار ووثائق لمسيرة شعب عاين التّرحال، ونقل حضارته عبر العالم. فقد جاء هذا الديوان مشاهد متّصلة ببعضها بعضا، وكأنّها مسلسل الحرب والوجع والمأساة عبر التّاريخ الّذي يحلم أن يسيّره: «فليحضر التاريخ فورا/ وليُلغِ موعدهُ مع الحرب التي ستجيء/ أو مع أي سلمٍ مفترض/ ومع القضايا العالقات بحبره وحرابه…/ سأجره بيدي إلى غرف المعيشة بيننا/ وأدير سهرته أنا/ ليرى لأول مرة ولدا له وجه له صوت/ له جسد حقيقي، له اسم ثلاثي/ يمارس يومه العادي بين يديه،/ سوف أهيئ الأقلام والأوراق: * اكتب ما ترى.
يخصّص الشاعر جزءا من الديوان بعنوان «منطق الكائنات مرة أخرى» فينقل آراءاً على لسان الدقائق والقلعة والظل والدرج والأسلحة والغيمة… وهنا امتزاج بين المحسوس واللّا محسوس اللّذين يشهدان بموضوعيّة على كلّ ما يحصل وينقلان الأحداث بصدق على عكس التّاريخ الذي يزوّر الحقائق، أو يدوّن أجزاء منها والأخرى يهملها. كذلك في مكان آخر يعود إلى مخاطبة
التاريخ بلهجة تطغى عليها النّبرة القويّة من خلال الأمر والنّهي، وهي مليئة باللّوم والاتّهام: اكتب كذلك خوفنا إن رنّ هاتفنا/ ولا تتكهّن الأسباب/ أنت مدبّر الأسباب/ فاكتب/ أنّنا نخشى رنين الهاتف اللّيليّ/هل فكّرت يومًا أنّ هذا لم يدوّن في كتابك؟/أم تراه من اختصاص الشّعر والشعراء؟ ثمّ يسجّل الشاعر موقفًا من التّاريخ حاسمًا أيضًا، فلا تراجع عن التّضحيات وبذل الذّات في سبيل انتصار الأوطان والحفاظ على الكرامة، فالتّضحية صارت أساس إثبات الوجود: «لا تقل كانوا ضحايا/ بل نضحّي كي نكون».
الحرب التي تكره الأطفال وجدت نفسها في موقع خاسر، لأنّ هؤلاء يشكّلون الأمل والمستقبل، وهم الذين سيحمون ظلال الأسلاف والأجداد، وحضورهم قويّ كأحجار البناء المنتشرة عبر العالم: «الأطفال سقوف أجدادهم»-»يبنون بيوتا أينما ذهبوا». ونلاحظ أنّه ثمة مفارقة بين الشاعر والحرب: هو يجلس منصتًا والحرب آذانها صمّاء وتتّخذ موقف الأغبياء، والدليل أنها تُسمعه دوي الغارة التالية.
ربّما يُعتبر موت الأطفال لعنة… نعم هو لعنة منذ نبوءة «إرميا» في العهد القديم وقد استمرّت إلى العهد الجديد، مع هيرودوس وقتل أطفال بيت لحم، وهذه اللّعنة مستمرّة وما زالت تتجوّل في البلاد نفسها: «حين قررت الشمس أنّ بقاءها يتطلب/ أن تأكل طفلا كل صباح/ لم تعرف القرية ماذا تفعل بهذه اللعنة».
لا تراجع
في «قصيدة خلود صغير»، وهي الأولى في الدّيوان، يؤكّد الشّاعر أكثر أنّ الأرواح الّتي تدفع ثمنًا للحرّيّة وأنّ الصّمود ومواجهة الموت أمور ستجعل منه فاشلًا، لكن لا تراجع مهما كانت الأسباب، ومهما كلّفت النّتائج، سيبقى كلّ من يحمل قضيّة حقيقيّة خالدًا حاذفًا الموت من قاموسه: «هل أغيّر للموت رأيًا وأقنعه أنه فاشل؟».
وفي مكان آخر من الدّيوان، يصوّر الشّاعر الذلّ الذي يقبله الإنسان بإرادته. فالطّغيان لا يكون إلا إذا أحاط به أشخاص ميتون بصمتهم وخضوعهم: «كل ما تحتاجه إذا أردت صنع طاغية أن تنحني».
في قصيدة «دون ضجة» عن زوجته الرّاحلة الأديبة رضوى عاشور يحوّل الشاعر أمل النجاة المفقود إلى أمل، مع أنّه يذكر أنّ عودتها إلى المنزل يومها ما كان إلّا وداعًا نهائيًّا، لا تراجع عنه لامرأة رحلت من دون ضجّة، وستبقى ذكراها خالدة.
أمّا في قصيدته «إلى محمود درويش»، فيتشارك البرغوثي الهمّ الإنسانيّ والشّعريّ وسط مواجهة المصير، مع الشّاعر محمود درويش، فيصوّره من خلال نصوصه ويعتبره الشّاهد على الأحداث حتّى بعد وفاته: قلت لي «أنا لا أخاف فلا تخف»/ كم قلت لي/ والشعر جدك وهو جدي…»الموت حين يباغت الشعراء/ يستولي على أقلامهم/لكنه لا يأخذ الأوراق من عظمائهم».
الجزء الثالث من الديوان بعنوان «وثيقة- يوم غابت رضوى»: «افتحوا الأبواب فلتدخل السيدة: اخرج من أقرب بوابة أيها الحزن، ودعني أستبدل بك ابتسامتها التي تذهب حزن الرائي».
وكأنّ الشّاعر وبعد كلّ هذا الدّمار والانهيار والموت والغياب والانهزام والخسارة، لم يعد هناك ما يخفّف عنه إلّا ابتسامة رضوى الّتي لم تغب، وإصراره على ذكراها، يدعوه ليتذكّرها وليأمر الحزن بالرّحيل.
يبقى من الحقّ أن نقول، لقد بدأ الدّيوان بقصيدة «خلود صغير» وأغلق بنصّ «وثيقة – يوم غابت رضوى»، فقد تكون هذه الابتسامة النّابعة من وجه رضوى هي الخلود الصّغير، وهي الأمل الدّافع إلى الاستمرار. ومهما كتبنا عن هذا الدّيوان العميق سيبقى المعنى في قلب الشّاعر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى