بوتين يردّ على المعارضة بحملة اعتقالات
على خلفية محاولات غربية لزعزعة استقرار الأوضاع الداخلية في روسيا، ردّت الحكومة الروسية بحملة واسعة لمكافحة الفساد. ويعدّ أكثر الأخبار تداولا ونقاشا في الأيام الأخيرة في روسيا هو اعتقال عضو مجلس الاتحاد الروسي (المجلس الأعلى في الجمعية الاتحادية الروسية)، رؤوف أراشوكوف، المتهم بقتل شخصين وتأسيس جماعة إجرامية منظمة، وكذلك اعتقال والده، راؤول اراشوكوف، النائب عن جمهورية قره تشاي شيركيسيا (جنوب روسيا)، ومستشار المدير العام لأحد الهياكل التابعة لشركة «غازبروم». لكن هذا الاعتقال تحديدا حمل أصداء واسعة، أكثر من اعتقالات متزايدة كانت تحدث على مدار السنتين الأخيرتين لوزراء، ورؤساء أقاليم، وغيرهم من مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة.
لقد اختارت المعارضة الروسية بقيادة، أليكسي نافالني، المدعوم من الغرب، قضية الفساد بوصفها القضية المحورية، لتوجيه سهام النقد وتحدّي سياسات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ويبدو أن بوتين بدوره قد قبل التحدي، وشرع في خوض معركة حاسمة مع المعارضة من أجل كسب تعاطف الشعب الروسي.
مما لا شك فيه أن هناك أساسا للانتقادات الموجهة بشأن قضية الفساد، فروسيا ليست من بين أكثر الدول تحررا من الفساد، كما أن الهوة بين الفقراء والأغنياء في روسيا لا زالت، مع الأسف، شاسعة.
أجمالا يمكن القول إن الوضع الاقتصادي في روسيا مقبول، وعلى الرغم من الحصار الاقتصادي المفروض على روسيا من قبل الغرب، حقق الاقتصاد الروسي نموا في عام 2018 قدره 2٪. لكن جزءا كبيرا من المواطنين الروس لا زالوا غير راضين عن الوضع الاقتصادي. إلا أن تلك الآراء في أغلبها ذاتية، فوفقا لاستطلاعات الرأي لعام 2019، يخطط 22٪ من الروس للسفر لقضاء عطلاتهم، ويخطط 10٪ من الروس لشراء سيارة، ومثلهم يخططون لشراء سكن، بينما يخطط 19٪ لشراء أجهزة منزلية جديدة وتجديد محل سكنهم. أي أن المؤشرات الموضوعية لا تشير إلى انخفاض ملحوظ في مستوى الحياة في البلاد. لكن الروس، وقد تعوّدوا على الارتفاع المتسارع والمستدام لمداخيلهم في الـ 15 سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين، يتعاطون مع شبه الركود الحالي بصعوبة.
علاوة على ذلك، كان قانون رفع سن التقاعد للمواطنين الروس في 2018 ضربة قاصمة لشعبية الرئيس بوتين، لكن على الرغم من انخفاض شعبيته بحدة، إلا أنه مازال يتربع على قمة السياسيين الذين يحظون بشعبية بين المواطنين، حيث بلغت شعبيته في يناير الماضي 46٪، تلاه في الترتيب مرشح الحزب الشيوعي في انتخابات الرئاسة، بافل غرودينين، الذي حصل على 11٪. ووفقا لاستطلاع رأي أجراه المركز الروسي لدراسة الرأي العام، حول مدى رضا المواطنين عن أداء الرئيس، فقد أجاب 63.7٪ من عينة الاستطلاع أنهم راضون عن أدائه. وفي استطلاع رأي آخر لمركز «ليفاندا» الممول من الغرب، فقد أجاب 53٪ من عينة الاستطلاع أنهم يؤيدون استقالة حكومة دميتري مدفيديف، وفي استطلاع رأي أجراه نفس المركز في سبتمبر من العام الماضي حصل فلاديمير بوتين على ثقة 39٪ من المواطنين، بينما أبدى 66٪ من المواطنين في ديسمبر رضاهم عن أداء الرئيس.
بهذا نرى أن المؤشرات الاقتصادية عادت بشعبية بوتين إلى المستوى الذي كانت عليه عام 2012، قبل عودة القرم إلى روسيا. والسبب في ذلك يعود إلى أن بوتين لم يتراجع عن مسؤوليته تجاه القوانين غير الشعبية والمؤلمة الخاصة بإصلاح قانون المعاشات في الدولة، أو الإصلاح الاقتصادي بشكل عام، مع العلم أنه كان بإمكانه أن «يلقي بتبعات ذلك» على الحكومة. ولا يبدو تفسير هذه الخطوات بسيطا، خاصة إذا ما انطلقنا من مرجعية التنبؤات الغربية الخاصة بنوايا بوتين البقاء في السلطة بعد انتهاء مدة ولايته الحالية. لكن الواضح هنا أن تنمية روسيا، والإصلاحات هي الأولوية القصوى لدى الرئيس أكثر من شعبيته الشخصية.



