النسخة الرقمية

الثورة والاعتراض

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله عزّ و جلّ»..ولمّا كان «الانتظار» أفضل الأعمال، كان له أثرٌ كبير في تكاملنا روحيّاً ومعنويّاً، وكان لا بدّ من أن نعيشه بإحساسنا ووجداننا بشكل أمثل. وهذا ما تُعيننا عليه معرفة العناصر المكوّنة للانتظار. من هنا، سنتحدّث عن أهمّية تلك العناصر وتأثيرها في النفس، وتعدادها والوقوف عندها.
الشعور بإنتظار: قوّة لا مثيل لها
يمكن لكلّ منتظر، من خلال التدبّر في انتظاره، معرفة العوامل الّتي أوجدت فيه حالة الانتظار، والحالات والخصائص المكوّنة له. تلك الخصائص الّتي متى ما اجتمعت، ولّدت الشعور بالانتظار. وإن حلّ الشعور الحقيقيّ لانتظار الموعود -الّذي سيغيّر العالم- في قلب أحدٍ ما، فسيقلبه لا محالة، وسيودع فيه قوّة لا مثيل لها، وسيهبه طاقةً فائقة، ويغيّر رؤيته الكونيّة..فالعنصر الأوّل للانتظار هو الاعتراض على الوضع الموجود، وهو مقدّمة لظهور الشعور بانتظار الفرج؛ فمَن كان راضياً بما هو قائم، لا يمكنه انتظار أفضل منه.
خصائص إعتراض المنتظرين
• منطقيٌّ لا يُساوَم عليه: وإذا كان الاعتراض أكثر منطقيّة، كان انتظار الإنسان أكثر استدامة؛ فإنّ الاعتراضات الناشئة عن المصالح، وعن الأهواء النفسيّة المتغيّرة، لا تدوم، وتتحطّم عبر الإصطدام بأدنى مانع. وأصحاب تلك الاعتراضات يمكن مساومتهم دوماً. والمعترض الّذي لم يستند اعتراضه إلى العقل، تنتابه حالات شكّ وتردّد على الدوام، ولا يقاوم في سبيل اعتراضه.
• وليد البحث عن الكمال: كما أنّ عدم الوصال أيضاً، يولّد حالة الاعتراض في نفس كلّ عاشق لازدياد الشوق إلى الوضع المنشود، ويزداد لهيب الانتظار اتّقاداً في روح الإنسان؛ ولهذا، فإنّ للاعتراض أثراً بالغاً في حركة الإنسان وحياته، وفقدانه يسبّب الركود والجمود.
فوائد الإعتراض
• الشعور بالحاجة إلى الولي: على الرغم من أنّ الغيبة تقديرٌ إلهيّ، ولكن يمكننا أن نشكو إلى الله غيبة وليّنا، كما في دعاء الافتتاح:»اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْکُو إِلَيكَ فَقْدَ نَبِيّنَا، وَغَيبَةَ وَلِيّنَا، وکَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَقِلَّةَ عَدَدِنَا»وقد تكون واحدة من حِكَم الغيبة، تبلور هذا الاعتراض المقدّس؛ ليتأهّل الناس لإدراك حضوره وظهوره. كما أنّ من حقّنا أن نحيا في ظلّ نور إمام معصوم؛ الحقّ الّذي سُلب منّا بسبب ظلم الظالمين عبر التاريخ، كما يقول الإمام الصادق عليه السلام في مناجاته الإمامَ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو لم يولد بعد، بحزن واكتئاب: «سَيدِي غَيبَتُكَ‏ نَفَتْ‏ رُقَادِي». وإنّها لقيمة عظيمة أن يصل الإنسان إلى الاعتراض على غيبة مفسّر القرآن ومحيي معالم الدين؛ ليكون لانتظاره معنى حقيقيّ، عندما نقول في دعاء الندبة: «أَينَ مُحْيي مَعَالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِه؟».
• القيام على الظالم: يتطوّر المنتظِر من اعتراضه على الظلم والفساد، إلى المواجهة مع الظالم والمفسد بشخصيهما، ويعترض على المتسبّبين بالأوضاع السيّئة في العالم. وتكمن أهمّيّة ذلك في أنّ من السهل استقباح «الظلم»، لكن قلّةً من يملكون الشهامة لمعاداة «الظالم».
آفات الإعتراض
قد يقترن الاعتراض على الوضع الموجود ببعض الآفات الخطيرة، ولا سيّما في المجتمعات الممهّدة للظهور، منها..الغلوّ والمبالغة في الاعتراض: قد يفرِّط المنتظِر في تقدير سوء الأوضاع، وعدم رؤية الأمور الإيجابيّة، فيصل إلى اليأس والقنوط. وهذه المبالغة في الاعتراض، مضافاً إلى أنّها تزرع في الإنسان الروح السلبيّة والحِدّة في الأخلاق، وتُشوّه الصورة الجميلة لـ»الاعتراض في مسار الانتظار»، بإمكانها أن تسبّب التسرّع في العمل وهدم ما هو مطلوب. يقول الإمام الصادق عليه السلام: «احْذَرُوا عَلَى شَبَابِکُمُ الْغُلَاةَ لَا يفْسِدُوهُمْ»؛ لأنّ الشابّ يميل -بصورة طبيعيّة- إلى الغلوّ والانفعال، والمبالغة في مشاهدة النقاط السلبيّة؛ ما يجعله يقوم بإجراءات تعسفيّة أو يُصاب بالإحباط..واليأس: ومردّه إلى عدم مشاهدة الأرضيّات والاستعدادات المناسبة، ولكن لنعلم أنّ الله سبحانه قد وفّر في أسوأ الحالات -أيضاً- فرصاً للخروج من المآزق والأزمات، فلا بدّ من البحث عنها واغتنامها..ولإزالة آفات الاعتراض تزول آفات الاعتراض إذا استطاع المعترض مشاهدة الطريق الموصل إلى الوضع المنشود، واغتنام كلّ فرصة تؤدّي إلى المحبوب، ولا يُعرض عن هذه الفرصة العظيمة الّتي أُتيحت عبر دماء الشهداء المنتظرين، ويصرخ بصرخة الاعتراض المطلق في مجرى الانتظار، كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يخرُجُ ناسٌ مِن المَشرِقِ فَيوطِّئُونَ للمَهدِيِّ سُلْطانَهُ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى