النسخة الرقميةثقافية

قراءة إنطباعية لرواية علي الحديثي الرابعة «ذكرأة»

عبد السادة جبار

مرة أخرى يطلّ علينا الروائي علي الحديثي برواية جديدة تحمل عنوانا مثيرا للانتباه (ذَكْرَأة) بعد رواياته الثلاث: ذكريات معتقة باليوريا، جئت متأخراً، ارفعوا صوت التلفاز. ومن وجهة نظر قارئ قديم وكاتب مستجد انتقل من التأليف المسرحي إلى السرد القصصي أحاول أن أدلو بدلوي بإعطاء رأي انطباعي غير تفصيلي في هذه الرواية التي أجدها إضافة جيدة للسرد العراقي.الإهداء
جاءت عتبة الإهداء للكاتب والسيناريست المعروف الراحل «معاذ يوسف» ليس كنوع من الوفاء فقط، بل اعتراف بمثقف كان قريبا من الروائي الحديثي ومؤثرا به: «إلى صوت نفخ الروح في ذكراك.. ولم تمت يوما في حرفي»، وختم الإهداء بمخاطبته : يا «معاذ يوسف»، وليس إلى معاذ يوسف، وفي الواقع أنا لا أظنه إهداءاً.. بل تأكيد للوجود، كأنه يقول» أنا موجود كامتداد لك» نوعه المستمر.. ومعاذ يوسف كاتب مميز، وقد شاهدت له عملا رائعا في السبعينات، مسلسلا تلفزيونيا بعنوان «عطارد».
العنونة والثيمة
يبدو لي أن العنوان يقصد به كائنا، رسم ملامحه الكاتب لينبهنا بكونه نما في دواخلنا، شكّلته ظروف تاريخية وبايلوجية واجتماعية وبيئية وتأثرات خارجية، وتحوّل إلى دكتاتور يؤثر في سلوكياتنا ومشاعرنا:» سيرة أخطبوطية لكائن لا أحد يعرف متى.. كيف.. أين.. ولماذا ولد؟ هو ولد وانتهى الأمر» ص9.. يحاول بطل الرواية تجاوزه أو إغفاله أو معاندته بين فينة وأخرى، إلا أنه يعود ليفرض نفسه بقوة ليخرجه عن الطريق الذي يختطه، وليس بالضرورة أن يكون هذا الكائن سلبيا.. لكنه مزاجي (انفصامي)، ويمثل خليطا من (الأنا الأسفل والأعلى) كما يقول سيجسموند فرويد، ولهذا فإن البطل مستسلم لما يريده هذا الكائن ويعترف: «فما نحن إلا رسله وما على الرسول إلا البلاغ…» ص١١، يبدو لي اسم هذا الكائن من (ذكر + امرأة = ذكرأة)، وبالنتيجة فهو ليس نوعا ولا جنسا محددا، فهو ليس (امرأة + رجل) ولا (ذكر + أنثى)، وبالنتيجة يصبح كائنا معنويا يسكن الرجل والمرأة معا، اختيار الكاتب لهذا الكائن ليكون ثيمة لروايته كانت موفقة، أراد من خلالها طرح أفكار بطله، صراعاته، هفواته، تناقضاته، تجاربه، ويترك القارئ يبحث عنه، يتابعه من دون أن يظهر مجسّدا بكيان مادي.. إلا أنه يعبر عنه بكونه لا يطيق التفكير، «من طرائفه إنه يكره الشطرنج و «إن الشطرنج قبره الذي يخاف منه» ص ١٠.
المعالجة
حاول الكاتب الاستفادة من تجاربه الشخصية ليلقي بظلالها على البطل، ممثلا إلى حد كبير لشخصه، ليعيش ذلك الصراع مع الكائن الذي يقف له بالمرصاد ساردا حيوات متعددة باقتصاد وتوزيع إيقاعي مدروس، محولا تساؤلاته الإشكالوية إلى حوارات بين الشخصيات بجرأة منطقية/ قضايا الدين، المجتمع، التاريخ، الحب، من دون الوصول إلى ضفاف محددة بخصوص تلك الأفكار، ولم يغيّر الكاتب نهجه في سرد سيرته داخل رواياته كما فعلها في رواياته السابقة، فملامح الشخصية الأساسية الفكرية والمعنوية هي ملامحه، وتحمل تجاربه، وكأنه لا يريد أن يخلق بطلا خارج تجاربه مستقلا عنه بسبب إحساسه بالصدق أكثر والدقة في سرد الأحداث والتجارب لقربه منها، ويؤكد هذا من خلال طرح اسم إحدى رواياته وأحد أصدقائه الروائيين بالاسم الصريح (سعد سعيد)، فضلاً عن الأحداث التي حصلت له فعلا.. في كردستان وجولاته الثقافية .. باختصار بطل الكاتب الذي تولى السرد ممثلا لشخصية الكاتب والكثير من أفكاره وعلاقاته إلا أنه لم يغفل صنع خيال جميل داخل تلك الأحداث، حيث نجح في أن يخرج عن التقريرية والوثائقية وأسلوب المذكرات التقليدية ليحول روايته سيرة ذهنية فكرية وفلسفية، ليكون أكثر صدقا مبتعدا عن الافتعال وقريبا من الانفعال.
ميتا سرد
ينزع الروائي الحديثي في هذه الرواية الى ولوج أسلوب (الميتاسرد) ليضعنا وجها لوجه أمام مذكرات ورسائل يحصل عليها بطله من خاله، ويحملها معه إلى لبنان، مسرح تلك الأحداث أو إلى الشخصية التي أحبته وتقاسمت الهمّ والوجع الرومانسي مع خاله، وخصص ثلاثة فصول بعنوان (أوراق خالي أ .ب .ج)، ليجعلنا نظن بأنها مكتوبة خارج تدخل السارد الداخلي (الشخصية الأساسية)، وذلك أسلوب ذكي أضاف تنوعا للرواية وأنقذها من السقوط في الرتابة، ليترك للقارئ الشعور بوجود حيادية في السرد .
اللغة السردية
يبدو لي أن الحديثي قد أصغى هذه المرة لمزاج القارئ وابتعد عن اللغة العالية أو الشاعرية المفرطة وقلّص من الأفكار الفلسفية والتداعيات الذاتية التي وجدناها في رواياته السابقة، واستخدم لغة سلسة، إلا أنه لم يتنازل عن الصياغة الجميلة التي تختصر الجمل السردية وتحقق المعنى من دون حشو، وبذلك تجاوز النزعة الثقافية عند بعضهم الذين يبحثون عن اللغة العالية بحجة اكتشاف لغة بديلة تتناسب مع الحداثة، ولهذا أجد أن» ذكرأة « انتصرت على الحديثي لتقدم لنا نفسها بوضوح.
أنا أرى أن الرواية ستكون مقروءة بشكل عام وتحقق بعض المتعة عند عدد جيد من القراء.
ملاحظات
أنا شخصيا أعدّ الكتاب مسؤولية، وخصوصا الرواية تقربنا من الولوج فيها أو تبعدنا مجموعة عتبات. العنوان. الغلاف. الإهداء. الخط. التصميم الداخلي. العناوين الفرعية. صورة الكاتب. ما يكتب على الغلاف الأخير.
في الواقع لم أقتنع بصورة الغلاف ولا خطوط العنوان الأساس، لأنها لم تتماهَ أو تضيف لعنوان الرواية دعما إضافيا اذا ما عددنا العنوان يحمل غرابة لغوية ومعنى مثيرا للتساؤل، ويبدو لي أن المصممين لا يقرؤون المنجز ليفكروا كيف يختارون لوحة أو صورة لذلك المنجز.
الملاحظة الثانية: هناك ٢٨ عنوانا داخليا، موزعة على الفصول، تلك العناوين حبست القارئ في المعنى المحدد في تسميتها، كنت أفضل أن يكتفي بالترقيم دون عنونة .
الملاحظة الثالثة: القطعة التي اختيرت للغلاف الأخير أضعفت من قوة العنوان (ذكرأة)، وخلعت الاهتمام على شخصية الحبيبة وأوهنت خيوط التفاعل الفكري والرؤيوي لمعنى هذا (التكوين) بعبارة رومانسية تقليدية» ..فكان حبك ذلك الصوت الأجمل الذي لاذت به روحي».
كما يفترض أن تذيل تلك القطعة باسم الشخصية (الناطقة بالقول) حتى لا يحسب على المؤلف ويعدّ خطابا موجها.
وأخيرا رواية (ذكرأة) خطوة مميزة للكاتب علي الحديثي، ننتظر الأفضل من وجهة نظر انطباعية وليست نقدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى