النسخة الرقميةثقافية
غربة الروح

عبد الرقيب طاهر ـ اليمن
ناولهُ جواز سفره بعد أن وضع عليه ختم الخروج النهائي لثلاث سنوات مضت من الإغتراب بعيداً عن مسقطِ رأسه. تبسم هو في وجه موظف المنفذ الحدودي قائلاً له «شكراً لك ياسيدي على حُسن آلـ…..». صمت ولم يكمل «العِبارة»، فقد سأم المجاملات المملة وشعرَ بأن لم يكن هناك ثمة شيء يستحق الشكر والتقدير.
لم يعرهْ موظف الجوازات أدنى إهتمام ولم يبادله بدوره حتى الإبتسام، كان هو قد تعود على فظاظة تعاملهم، وقساوة حديثهم معه طيلة مكوثه في الغربة. لوح بكلتا يديه مودعاً البقية من زملائهِ العالقين في زحمة الإنتظار على خط السير.
لم يبقَ بينه وبين الوطن غير ذلك الممر الصغير، بعد ذلك ربما ستنطفئ أعاصير اشواقه ولوعة أحاسيسه الجياشة. كله لهفة وشوق لمنظر تلك الأرض وريحتها العطرة كان شوقه إليها يشبه إعصار يضرب حنايا روحه وأصقاع فؤاده.
لحظات وسترفع له السواتر الحديدية آذنةً له في العبور بعد أن سُجلت بيانات سيارته. شهق شهقة مسموعة وصرخ بأعلى صوته «هأنا ذا في الوطن».
كانت السماء غير السماء والهواء غير الهواء وقمم الجبال التي تبدو بعيدة المنال تدل على شموخ هذا الوطن الجبار، وفجأة يقطع لحظات شرودهِ إتصال، ليأتي صوت مليء بالحب والدفء معاً «أين أنت الآن يا حبيبي»؟قال بصوت متشنج يشبه بكاء طفل رضيع جائع يلتقمُ ضرع أمه بعد مدة غياب «الآن ولجتُ أرض الوطن».
كانت عجلات السيارة تلتهمُ الأرضَ نهماً كما تلتهمُ روحه مسافات الطريق هي أيضاً، لن يعود مرة أخرى للغربة، فقد سئم كل شيء فيها.ثلاث سنوات قضاها في الغربة لغرض العمل، كأنها كانت عليه أربعين يوسف مضت، بعيداً عن زوجته وطفله الوحيد وأمه المسكينة وثُلة من الأهل والأصدقاء الذين تجمعهُ بهم أجمل الذكريات.
قال متمتماً لنفسه «لا بأس فقد جمعتُ مالاً يكفي بأن أفتح لي ثمة مشروعٍاً صغيراً يكون مصدر دخل لي ولأسرتي الصغيرة لأعيش بعدها حياة كريمة بقرب أهلي وفي مسقط رأسي».كانت الأسئلة تحوم في رأسه كخلية نحل مليئة بالعسل في شهر آب، كيف يقابل أمه المسكينة بعد ثلاث سنوات عجاف من الغياب؟ كيف تكون أول ليلة مع شريكة حياته إلتي تركها منذ عامها الأول من الزواج؟!
كانت هي قد تهيأت له كما تهيأت في ليلة عرسها وصوت طفله الصغير ما زال يداعب أذنيه و لم يبارح مخيلته «بابا بابا أريد لعبة جميلة».
كيف تقام له أول حفلة؟ وتقابلهُ أول لحظة؟ وتطبع على خده أول قبلة؟ كيف ينفجر باكياً عند قبر أبيه؟ ويقول له «هأنذا يا أبي عند حسن ظنك بي وعند وعدي لك بأن أكون كما أردتَني مواطناً صالحاً لأهلي ولوطني»1
كيف تكون الشهقة الأولى والظمة الأولى واليلة الأولى مع حبيبة القلب وشريكة الروح؟
الأفكار تحتشدُ في مخيلته وبريق الفرح يشبه قوس قزح في عينيه، تقطع كل ذلك صوت رصاصة غادرة ومباغتة جاءته من الأمام لتثقب مقدمة السيارة وتستقر في صدره و توقفت السيارة أمام وابل من الرصاص الحي وأظلمت السماء فجأة. وصرخة كادت تصعد من جوفه منعتها رصاصة ثانية وثالثة ورابعة. انحرفت سيارته عن الطريق وتوقفت وسال دمه كأضحية عيد ذبحت بسكين صدئة.
قال أحد أفراد عصابة قُطاع الطرق لصاحبه الملثم «هل تأكدت من مقتله»؟ هز الآخر رأسه بعد أن سحبه من مقعد القيادة ورماه على الأرض قائلاً «ما زال ابن العاهرة يصارع الموت».
كانت أنفاسه الأخيرة تكابد خروج الروح ودمه المُسال على الأرض يرسم ما يشبه خريطة الوطن، وكانت غربة الروح الأخيرة تعلن نهاية قوس قزح وتبدد حلم وطن ضاع.
رفع سبابته نحو السماء وشهق شهقة أخيرة وهمس بكلمات متقطعة «أشهد بأن هذا هو الوطن»!
لم يعرهْ موظف الجوازات أدنى إهتمام ولم يبادله بدوره حتى الإبتسام، كان هو قد تعود على فظاظة تعاملهم، وقساوة حديثهم معه طيلة مكوثه في الغربة. لوح بكلتا يديه مودعاً البقية من زملائهِ العالقين في زحمة الإنتظار على خط السير.
لم يبقَ بينه وبين الوطن غير ذلك الممر الصغير، بعد ذلك ربما ستنطفئ أعاصير اشواقه ولوعة أحاسيسه الجياشة. كله لهفة وشوق لمنظر تلك الأرض وريحتها العطرة كان شوقه إليها يشبه إعصار يضرب حنايا روحه وأصقاع فؤاده.
لحظات وسترفع له السواتر الحديدية آذنةً له في العبور بعد أن سُجلت بيانات سيارته. شهق شهقة مسموعة وصرخ بأعلى صوته «هأنا ذا في الوطن».
كانت السماء غير السماء والهواء غير الهواء وقمم الجبال التي تبدو بعيدة المنال تدل على شموخ هذا الوطن الجبار، وفجأة يقطع لحظات شرودهِ إتصال، ليأتي صوت مليء بالحب والدفء معاً «أين أنت الآن يا حبيبي»؟قال بصوت متشنج يشبه بكاء طفل رضيع جائع يلتقمُ ضرع أمه بعد مدة غياب «الآن ولجتُ أرض الوطن».
كانت عجلات السيارة تلتهمُ الأرضَ نهماً كما تلتهمُ روحه مسافات الطريق هي أيضاً، لن يعود مرة أخرى للغربة، فقد سئم كل شيء فيها.ثلاث سنوات قضاها في الغربة لغرض العمل، كأنها كانت عليه أربعين يوسف مضت، بعيداً عن زوجته وطفله الوحيد وأمه المسكينة وثُلة من الأهل والأصدقاء الذين تجمعهُ بهم أجمل الذكريات.
قال متمتماً لنفسه «لا بأس فقد جمعتُ مالاً يكفي بأن أفتح لي ثمة مشروعٍاً صغيراً يكون مصدر دخل لي ولأسرتي الصغيرة لأعيش بعدها حياة كريمة بقرب أهلي وفي مسقط رأسي».كانت الأسئلة تحوم في رأسه كخلية نحل مليئة بالعسل في شهر آب، كيف يقابل أمه المسكينة بعد ثلاث سنوات عجاف من الغياب؟ كيف تكون أول ليلة مع شريكة حياته إلتي تركها منذ عامها الأول من الزواج؟!
كانت هي قد تهيأت له كما تهيأت في ليلة عرسها وصوت طفله الصغير ما زال يداعب أذنيه و لم يبارح مخيلته «بابا بابا أريد لعبة جميلة».
كيف تقام له أول حفلة؟ وتقابلهُ أول لحظة؟ وتطبع على خده أول قبلة؟ كيف ينفجر باكياً عند قبر أبيه؟ ويقول له «هأنذا يا أبي عند حسن ظنك بي وعند وعدي لك بأن أكون كما أردتَني مواطناً صالحاً لأهلي ولوطني»1
كيف تكون الشهقة الأولى والظمة الأولى واليلة الأولى مع حبيبة القلب وشريكة الروح؟
الأفكار تحتشدُ في مخيلته وبريق الفرح يشبه قوس قزح في عينيه، تقطع كل ذلك صوت رصاصة غادرة ومباغتة جاءته من الأمام لتثقب مقدمة السيارة وتستقر في صدره و توقفت السيارة أمام وابل من الرصاص الحي وأظلمت السماء فجأة. وصرخة كادت تصعد من جوفه منعتها رصاصة ثانية وثالثة ورابعة. انحرفت سيارته عن الطريق وتوقفت وسال دمه كأضحية عيد ذبحت بسكين صدئة.
قال أحد أفراد عصابة قُطاع الطرق لصاحبه الملثم «هل تأكدت من مقتله»؟ هز الآخر رأسه بعد أن سحبه من مقعد القيادة ورماه على الأرض قائلاً «ما زال ابن العاهرة يصارع الموت».
كانت أنفاسه الأخيرة تكابد خروج الروح ودمه المُسال على الأرض يرسم ما يشبه خريطة الوطن، وكانت غربة الروح الأخيرة تعلن نهاية قوس قزح وتبدد حلم وطن ضاع.
رفع سبابته نحو السماء وشهق شهقة أخيرة وهمس بكلمات متقطعة «أشهد بأن هذا هو الوطن»!



