النسخة الرقميةثقافية

يجب تعلُّم اللغة الإسبانية للمهتمين بالتاريخ الأندلسي أ. د. كمال السيد أبو مصطفى:مدرسة الإسكندرية هي رائدة الدراسات الأندلسية في العالم العربي

المراقب العراقي/ أبو الحسن الجمال – مصر

عرفتُ الدكتور كمال السيد أبو مصطفى منذ مدة ليست بالقصيرة، ثم إلتقيته في مدينة الإسكندرية أثناء انعقاد «مؤتمر الحضارة الإسلامية في الأندلس»، الذي عقد في مكتبة الإسكندرية في المدة من 51 إلى 71 تشرين الثاني 6102، (دورة الأستاذ الدكتور أحمد مختار العبادي)، وعرفت أنه شخصية مرموقة في مجال التاريخ والحضارة الإسلامية (تخصص تاريخ المغرب الإسلامي)،

إضف إلى ذلك دماثة أخلاقه العالية، وترحيبه الشديد لأي باحث ومساعدته..وقد دار بيننا حوار في موضوعات شتى على هامش فعاليات المؤتمر، ثم لم تنقطع اتصالاتنا بين الحين والآخر منذ ذلك التاريخ.. نتجاذب أطراف الحديث حول قضايا تاريخية بالغة الأهمية، وكذا ذكرياته مع أساتذته وزملائه، الذين يكنُّ لهم جميعاً أسمى آيات الاحترام.
والدكتور كمال السيد أبو مصطفى أحد أغصان مدرسة الإسكندرية التاريخية العريقة التي اشتهرت في مجال تاريخ المغرب الإسلامي، والتي مرَّ على إنشائها 75 عاماً، ومن المفترض أن نحتفل هذا العام بعيدها الماسي، وقد خدمتْ هذه المدرسة الثقافة العربية وتخرج فيها أعلام مؤرخي الأندلس وحضارته في مصر والعالم العربي، وسوف تصاب بالدهشة ـ عزيزي القارئ ـ عندما تعلم أن المؤرخ العالمي الدكتور عبدالوهاب التازي (1922 ـ 2015) أصرَّ على الدراسة في هذه الجامعة والحصول على الدكتوراه من هذه الجامعة وقد تعدى الخمسين من العمر، وذلك بإشراف الدكتور أحمد مختار العبادي.
وكان لزاما علينا أن ندوّن تجربته ورحلته مع البحث العلمي وما أثمرت عنه هذه الرحلة، فتحدث معنا عن ذكرياته ونشأته وكيف كان لها الأثر في حياته العلمية فيما بعد، وعن الدوافع التي جعلته يختار مجال التاريخ ويتخصص فيه، ودور مدرسة جامعة الإسكندرية في مجال الدراسات الأندلسية، ودراساته عن النوازل وعدّها مصدراً من مصادر التاريخ وموضوعات أخرى سوف نطالعها في هذا الحوار:
* بداية حدثنا عن النشأة وكيف كان لها الأثر في حياتك العلمية فيما بعد؟
ـ ولدت في مدينة فوة بمحافظة كفر الشيخ في 12 تشرين الاول 1953، وأمضيت جميع مراحل ما قبل الجامعة في مدارس مدينة فوة، وهي مدينة المساجد العثمانية أو مدينة المآذن البيضاء أو مدينة الأولياء الصالحين وهي مسميات مختلفة لمكان واحد (مدينة فوة الأثرية) درة العمارة الإسلامية فى وسط الدلتا، إحدى مراكز محافظة كفر الشيخ، تقع على الجانب الشرقي لفرع رشيد، وتبعد عن مدينة دسوق نحو 12 كم تقريبا، فما تحتويه هذه المدينة من آثار عديدة جعلها تحتل المرتبة الثالثة في ترتيب المدن الأثرية الإسلامية في مصر بعد مدينتي القاهرة ورشيد، والثانية بعد القاهرة من حيث عدد المساجد الأثرية، فهي بمثابة متحف مفتوح للآثار الإسلامية الثابتة بمختلف أنواعها دينية كانت أو مدنية تجارية كانت أو صناعية صوفية كانت أو جنائزية، وكان السلاطين يأمرون القائمين عليها بحسن معاملة التجار من بلاد الدنيا لإنعاش التجارة، وقد زارها السلطان سليم الاول عام 923 هـ وأعجب بها وبما فيها من الخبرات، وقد أصبحت في عصر محمد علي إحدى قلاع الصناعة المصرية، فقد أنشأ بها مصنع الطرابيش الذى اشتهر به، ومصانع للكتان ومحلج وغزل القطن.
وإلتحقت بعد ذلك بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، سنة 1971، وكان القسم يعجُّ بكثير من الرواد في كل التخصصات، وفي تخصص التاريخ الإسلامي والحضارة والآثار الإسلامية على وجه الخصوص، من أمثال: الدكتور أحمد مختار العبادي، والدكتور السيد محمود عبد العزيز سالم، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد، ومن رواد تاريخ العصور الوسطى الدكتور جوزيف نسيم يوسف، والدكتور محمد محمد مرسي الشيخ، ودرويش النخيلي، ومن رواد التاريخ اليوناني الروماني الدكتور مصطفى عبد الحميد العبادي، ومن رواد التاريخ القديم الدكتور رشيد الناضوري، والدكتور محمد بيومي مهران. وكان لي زملاء كثيرون أهمُهم على الإطلاق الدكتور حمدي عبد المنعم محمد حسين. وتخرجت عام 1975، بتقدير جيد جداً، وعُينت معيداً بكلية التربية جامعة الإسكندرية.
* ما الدوافع التي جعلتك تختار مجال التاريخ الإسلامي والحضارة تخصصاً رفيعاً؟
– أولها حبي للتاريخ، ورغم أنني كنت الأول على مدرستي في الثانوية العامة أدبي، إلا أنني آثرت الالتحاق بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، لترجمة هذا الحب إلى دراسة هذا المجال والتخصص فيه، وأقبلت على دراسته بكل كياني وكنت من الأوائل خلال سني الدراسة، وحصلت على الليسانس بتفوق، ثم أكملت دراساتي العليا في هذا المجال، وحصلت على الماجستير في التاريخ الإسلامي بتقدير ممتاز سنة 1980، في رسالة بعنوان «تاريخ مدينة بلنسية 92 ـ 495 هـ بإشراف أستاذنا الدكتور السيد عبد العزيز سالم، ثم حصلت على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى سنة 1985، في رسالة بعنوان «مصادر الثروة الاقتصادية في الأندلس في عصري المرابطين والوحدين» بإشراف مشترك مصري/ اسباني ممثلاً في أستاذنا الدكتور السيد عبد العزيز سالم، والمستشرق الاسباني «خواكين بلبيه» الأستاذ بجامعة مدريد. وقد سافرت إلى اسبانيا عدة مرات: المرة الأولى أثناء إعداد رسالتي للماجستير، حيث حصلت على منحة من المركز الثقافي الاسباني وأمضيت صيف 1978، زرت خلالها مدينة بلنسية وآثارها الإسلامية وأطلعت على المصادر الأسبانية وكتابات المستشرقين أمثال: «توريس بلباس»، و»أويثي ميراندا». كما سافرت مرتين أثناء إعدادي رسالة الدكتوراه، الأولى كانت منحة صيفية، والثانية كانت بعثة إشراف مشترك سنة 1983، لمدة عام لاتمام رسالة الدكتوراه والتتلمذ على المستشرق الأسباني (المشرف المشارك).
* ما دور مدرسة جامعة الإسكندرية في دراسة التاريخ الإسلامي والحضارة والآثار؟
– هذا الموضوع لا يكفيه هذا الحوار المحدود، وباختصار فمدرسة الإسكندرية هي رائدة الدراسات الأندلسية في العالم العربي، إذ الرواد الأوائل بدءا من الأستاذ عبدالحميد العبادي مروراً بالدكتور أحمد فكري رائد الآثار الإسلامية وأول من كتب كتاباً متخصصاً عن مدينة قرطبة في العصر الإسلامي، وثم جاء جيل الأهرام الثلاثة وهم: الدكتور مختار العبادي والدكتور سالم والدكتور سعد زغلول عبد الحميد. وهم الرواد الأوائل الذين وضعوا أسس تلك المدرسة العلمية المتميزة، ووجهوا تلامذتهم إلى دراسة تاريخ وحضارة وآثار الأندلس، وتوجيههم إلى ضرورة تعلم اللغة الأسبانية في المركز الثقافي الأسباني، حتى يمكن الاستفادة من دراسات وأبحاث المستشرقين وهي في غاية الأهمية بالنسبة لهذا التخصص، وما زالت المدرسة تؤدي دورها باقتدار وتضيف كل يوم الجديد للمكتبة الأندلسية.
* كيف ترى النوازل مصدراً من مصادر التاريخ؟ وما مساهمتك في هذا المجال؟
ـ تعدُّ مصنفات النوازل والفتاوى الفقهية بالإضافة إلى قيمتها الفقهية البحتة، من المصادر الأصيلة القيمة، لما تتضمنه من مادة غنية في مجال الدراسات التاريخية والحضارية. فالنوازل قضايا رفعت من مختلف فئات المجتمع إلى القضاة ورجال الفتوى للنظر فيها، وهي عادة ما تذكر القضية أو النازلة كما حدثت بأشخاصها ووقائعها واسم القاضي والمفتي الذي رفعت إليه وأحياناً تاريخ وقوع النازلة، ثم الجواب أو الفتوى حول تلك النازلة أو المسألة الفقهية، فهي مرآة صادقة تعكس هموم ومشاكل أفراد المجتمع وما يشغلهم في تلك المدة. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين والمستشرقين تنبهوا منذ ةدة ليست بالقصيرة إلى أهمية كتب النوازل والفتاوى الفقهية، وقيمتها الكبرى في دراسة التاريخ الحضاري للمجتمعات الإسلامية، ونخص بالذكر منهم: المستشرقين الإسبانيين «لوبث أورتيث» Lopes Ortiz وسلفادور بيلا Salvador Vila والمستشرق الفرنسي «ليفي بروفنسال»Levi Provençal ، كما نوه إلى أهمية هذا النوع من المصادر أستاذنا الدكتور محمود علي مكي عندما قام بنشر وتحقيق مجموعة نوازل وفتاوى تتعلق بأحكام السوق في الغرب الإسلامي للفقيه يحيى بن عمر ـ الأندلسي الأصل، الأفريقي الموطن ـ والتي استخرجها من كتاب المعيار للونشريسي، وقد ركزت على النوازل في بحوثي العلمية وأصدرت عدة بحوث منها: «بعض مظاهر الحضارة في المغرب من خلال نوازل الونشريسي»، و»صور من المجتمع الأندلسي في عصر المرابطين من خلال نوازل ابن رشد»، و»وثائق بن العطار».
* أهمية دراسة المدن ومساهمتك في هذا الموضوع؟
ـ من المعروف أن الكتابة في تاريخ المدن عند المؤرخين العرب وليدة الشعور بالقومية، أما إذا كان الأمر متعلقاً بمدينة ما لم يفرد لها مؤرخوها تاريخاً محلياً، فالقضية تصبح عسيرة على الباحث، إذا لم يضطر إلى التنقيب والبحث عن مادة تاريخية في المصادر العربية والإسبانية كافة ، خاصة كتب التراجم والأدب التي كثيراً ما تتضمن إشارات مهمة تبدو قليلة القيمة، ولكنها قد تكون بالغة الأهمية، تسلط أضواءاً على كثير من الموضوعات التي يحوطها الغموض. ومن حسن الحظ أن مؤرخي إسبانيا المحدثين أولوا الكتابة في تاريخ المدن جانباً كبيراً من عنايتهم بدافع من عصبيتهم الإقليمية التي ورثوها عن العرب، فكتبوا في تاريخ مدنهم أبحاثاً ومصنفات ذات قيمة كبيرة للباحثين، ومن ذلك تاريخ دانية لشاباس Chabas، وتاريخ مرسية لجسبار ريميرو Gaspar Remiro، وتاريخ بلنسية لأويثى ميراندا H.Miranda. وقد كتب بعض مؤرخي العرب المحدثين في تاريخ المدن الإسلامية، وأبرز مَنْ سلك هذا الاتجاه السيد عبد العزيز سالم، الذى اهتم بدراسة تاريخ ألمرية وقرطبة والإسكندرية وصيدا وطرابلس الشام من قبيل التخصص لا العصبية، والدكتور أحمد مختار العبادي الذى كتب فى تاريخ غرناطة، والدكتور عفيف ترك الذي دوّن تاريخ سرقسطة، وإن كان قد استهدف النزعة الإقليمية كالدكتور جمال الدين الشيال في بحثه عن دمياط.
وقد كتبت العديد من الأبحاث في هذا المجال، منها: «بلنسية»، و»مدينة بني رزين»، و»الجزيرة الخضراء»، و»تاريخ مدينة طرطوشة».
* دراسة الأسر في التاريخ الأندلسي، ما اهميتها؟
ـ يتضح من المصادر الأندلسية أن عدداً كبيراً من البيوتات كان يحتكر الخطط الإدارية ويتوارث أفرادها الوظائف المرموقة في الحكومة المركزية بقرطبة، حيث اعتمد عليهم الأمويون كثيراً في تذليل العقبات التي كانت تواجههم، وكانوا هؤلاء الأفراد ينتمون إما إلى العرب الشاميين أو إلي موالي بني أمية، الذين أظهروا الولاء والإخلاص، وربطوا مصيرهم منذ أمد بعيد بمصير تلك الأسرة الحاكمة في الأندلس، ومن هذه البيوتات أو الأسر: بنو أبي عبدة، وبنو فطيس، وبنو حدير، وبنو عبد الرؤوف، وبنو شهيد. ولم تقتصر البيوتات الشهيرة على الحاضرة قرطبة، بل نلاحظ أيضاً دورها المؤثر في مدن أندلسية أخرى ذات أهمية، ومن ذلك بنو خطاب في مرسية (تدمير)، وبنو حجاج بإشبيلية، وبنو قسي بالثغر الأعلى، وغيرهم كثير. وقد كتبت عديد من الأبحاث حول هذا الموضوع، منها: «المولدون في الثغر الأعلى»، و»شخصيات مغمورة من البيت الأموي في الأندلس»، و»شخصيات سكندرية في الأندلس».
* موضوعات تتمنى دراستها؟
ـ الاهتمام بدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، لأنه ما زال في حاجة إلى دراسات. لأنه يكشف لنا الحياة اليومية لأفراد المجتمع وخصوصاً الطبقات التي لا يرد لها ذكر في مصادرنا التاريخية، والتي تركز على أخبار الخلفاء والحكام والأعيان بصفة عامة.
* كيف نتغلب على إشكالية المصادر؟
ـ لاهتمام بطرق المصادر الجديدة غير التقليدية مثل: كتب النوازل وكتب الوثائق والشروط والعقود.
* قدم وصفة تضعها لصغار الباحثين من دارسي التاريخ الأندلسي؟
ـ ضرورة تعلم اللغة الأسبانية. والاتصال بأساتذة التخصص في الجامعات كافة والاستفادة من نصائحهم وتوجيهاتهم. والمثابرة والاهتمام بالمصادر الجديدة وهي كتب النوازل والوثائق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى