النسخة الرقميةثقافية

«إن تتهمي فتهامةٌ وطني» المجهول في المدوّنة العربية.. القصيدة اليتيمة أنموذجاً

د. وليد جاسم الزبيدي

الجزء الثاني

آلكلام المكتوب يتبع الكلام المنطوق، أم ان الكلام المنطوق هو الذي يتبع المكتوب؟ فهل هذه إشكالية قائمة في اللغة العربية وفي الكثير من لغات العالم، خاصة بوجود لهجات عامية كثيرة في لغة أي مجتمع؟ في لغتنا العربية الفصحى والمتفق عليها بيننا نحن العرب، فإن الكلام المكتوب يتبع الكلام المتفق عليه عربياً على انه لغة عربية فصحى.

أما رواة القصيدة فهم: أبو عبيدة (ت 209 هـ)، والأصمعي (ت 216 هـ)، ومحمد بن حبيب (ت 245 هـ)، والمُبرّد (ت 286 هـ)، وثعلب (ت 291 هـ، وقد اختلف الرواةُ قي ترتيب أبيات القصيدة، وكذلك في عددها، فمنهم منْ ذكر سبعة أبيات (في كتاب المنازل والديار لأسامة بن منقذ)، ومنهم منْ ذكر بيتين منها (كتاب التبيان في شرح الديوان للعكبري)، ومنهم من ذكر عدد أبياتها 66 بيتاً (تحقيق عبد الله الجبوري ضمن أشعار أبي الشيص)؛ أمّا الدكتور إبراهيم النجارفكتابه: شعراء عباسيون منسيون)، فقد ذكر عدد أبيات القصيدة: سبعين بيتاً.
أما صاحب القصيدة فلم يتّفقِ الرواةُ ولا الإخباريون ولا المحقّقون في نسبة هذه القصيدة لصاحبها، فقال البعض أنها نُسبت لأربعين شاعراً إميل ناصيف، في كتابه: الموسع في أروع ما قيل في الحب والغزل)، وقال إميل ناصيف: (لقد حلف أربعون شاعراً على انتحالها)! وقد ذكر د. إبراهيم النجّار: (أنها تُروى لسبعة عشر شاعراً مع اختلاف في اللفظ وعدد الأبيات من رواية إلى أخرى..)، ثم حصرها المحققون لاحقاً بثلاثة منهم وهم: أبو الشيص الخزاعي (ت 196 هـ) وهو ابن عم دعبل الخزاعي، وعلي بن جبلة العكوّك (ت 213 هـ)، ودوقلة المنبجي (ت 554 هـ).
وصف القصيدة
كما أشرنا سابقاً فإن القصيدةَ مختلَفٌ في روايتها وفي تحديد عدد أبياتها، وكذلك تقديم وتأخير في الأبيات، في المصادر التي أوردتها وصنّفتها، وعلى أية حال فالقصيدةُ لا تخرجُ عن الأنساق الموروثة في القصيدة العربية، محاكاةً وتخييلاً، فلقد وقف الشاعر على الأطلال أولاً كما وقف منْ سبقه من الشعراء وعلى رأسهم أمرؤ القيس، حيث بدأها:
هل بالطلول لسائلٍ ردُّ
أم هل لها بتكلمٍ عهدُ
وهكذا تجد أحد عشر بيتاً هي في الأطلال والرسوم والدوارس، ثم يقوم بوصف عضو عضو، وصفاً حسياً على طبيعته، كأنه ينحتُ تمثالاً، ويستمرُ هذا الغزل الصريح (29) بيتاً أما الأبيات الباقية من القصيدة فهي في الفخر. وقفَتْ دراساتٌ وبحوثٌ ومقالاتٌ عدّةٌ في العصر الحديث، حول تفسير المقدمة الطللية، أو ما يسميها البعض الآخر المقدمة الغزلية، فمن النقّادِ منْ يذهب إلى أن هذه المقدمة كانت أمراً طبيعياً عند شعراء (الجاهلية)، يعبّرون فيها عن ذاتهم وغرضهم الشخصي قبل أن يصلوا الى المراد في القصيدة سواء في المدح أم الهجاء أم الفخر أم.. ومنهم منْ يقول إنها كانت أكثر بكاءاً على حبيبة أو سعادة انقضت، ورأي آخر يقول إن البكاء على الأطلال، هو البكاء على أمجاد القبيلة التي تزول بين الحين والآخر نتيجة الحروب والتطاحن بين القبائل، فتجعل كل قبيلة من القبيلة الأخرى أطلالاً ودوارس. وهناك منْ يقول إن الغزل في المقدمة هو الحياة والحب، وذكر الأطلال هو الموت. كما ذكر ذلك يوسف حسين بكار في كتابه بناء القصيدة، وكمّوني، أسعد حسن في كتابه الطلل في النص العربي، وغنيمي هلال في كتابه الأدب المقارن.
إنّ القصيدةَ العربيةَ متأثرة بواقع الحياة اليومية حالها حال ثقافات الأمم والشعوب الأخرى فهي مرآة عصرها وبنت بيئتها، فالشاعر يرسم ما يرى حوله، بشعور إنساني، فيبدأ بالوقوف على الأطلال والبكاء عليها وإستبكاء منْ حوله، مع وصله بالنسيب، ثم وصف الإبل فوصف الرحلة ومتاعبها ومخاطرها، ويصور عاطفته وحبه وحنينه لماضيه الماثل في الأطلال والأثافي والأحجار. فقد أحال الشاعر تجربته المادية في الحياة الصحراوية إلى تجربة شعورية حقيقية تجلّت فيها أرق المشاعر والأحاسيس (كما يقول د. إبراهيم النجار في كتابه شعراء عباسيون منسيون ج 2.
أمّا أسماء النساء في القصيدة العربية، فستجد وجود الإسم فكرةً ورمزاً على مختلف العصور، فأنت أمام عُنيزة امرئ القيس، وعفراء عروة، وماوية حاتم، وليلى قيس، ولبنى قيس، وثُريا عمر بن أبي ربيعة،وبُثينة جميل، وعُتبة أبي العتاهية، وفوز ابن الأحنف، وأمامة أبي الشيص، وجنان أبي نؤاس، وكاظمة ذي الرّمة.. نرى تلك الأسماء في أغلب الأحوال وفي معظم القصائد أسماءاً تقليدية وقلّةٌ منهم منْ يذكر اسم حبيبته صريحاً وصراحةً، بل وجد بعض النقّاد المحدثين أن أسماء النساء في القصيدة العربية هي إشارة ورمز لقبيلة الشاعر، وهذا ما نجده مستمر إلى يومنا هذا فالقبيلة في العراق أو في الوطن العربي تنتخي بأسماء نساء وتكنى بأسماء نساء فيقول أنا أخو (زهرة، هدلة، نورة)، فهذا التراث موجود.
ووصف الجسد الحسيّ قديم في القصيدة العربية قِدَمَ الشعر نفسه، منذ معلقة أمرئ القيس، حيث دخلت الخدر خدر عنيزةٍ وقالت لك الويلات إنكَ مرجلي،
ومروراً بقصيدة سقط النّصيف، وإلى يومنا هذا، يستعرض الشاعر جسم المرأة عارياً كعراء الطبيعة، وينحته تمثالاً كتماثيل أثينا ليكون تراثاً شاخصاً.
ومهما تكن الآراء في المقدمة الطللية أو الغزلية، فإنها تعبيرٌ عن أزمة الإنسان وخوفه من المجهول، المجهول هو القلق والخوف الذي يعتصرُ لباب الشاعر. كما أن ذكر أسماء النساء في القصيدة العربية فهي ظاهرةٌ شائعةٌ وشاعت في العصر الحديث أيضاً، لقد حقّقَ الأستاذ صلاح الدين المنجد القصيدة من مصادره ومخطوطته، وكذلك الدكتور عبد الله الجبوري في مخطوطته، لكنهما أشارا إلى أبي الشيص وفي مخطوطات وصلت بين أيديهم في أواخر القرن السابع، لكنّي وجدتُ هذه القصيدة المسماة بـ(اليتيمة) في مخطوطة (جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام) للفقيه أمين الدولة أبي الغنائم مسلم بن محمود الشيزري المتوفى بعد سنة 622هـ، وهو عالم جليل ثقة، أورد في مخطوطته الأدبية جُلّ الشعر العربي، وقد اختار قصيدة (هل بالطلول) وقد نسبها للشاعر علي بن جبلة العكوّك الشاعر العراقي، والعكوّك هو الغليظ السمين، قتلهُ المأمون لكثرة أشعاره ومدحه أبي دلف العجلي.
وأثبتُ هنا أن القصيدة اليتيمة ليست يتيمة، وأجزم على الأثر الذي أمتلكه الذي يرجع إلى بدايات القرن السادس وقد ذكر الشيزري القصيدة بـ(64) بيتاً. أمّا تصنيف القصيدة ضمن شعر الغزل فهو خطأ أيضاً، فالقصيدة في باب الفخر، أما الغزل، فهو مقدمة كل قصيدة عربية قديمة، خصوصاً في عصر الشاعر الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.
وخاتمة بحثي، لقد كتبتُ ما توصلتُ إليه فإن كنتُ قد أفلحت في إيصال المعلومة الصحيحة والصادقة فهذا قصدي والله في عوني، وإن أخطأت ففوق كل ذي علمٍ عليم، لعل هناك منْ يصحّح المعلومة، ويعطي الفائدة للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى