قراءة في رواية «بيت بيوت» للروائية وسن صالح

راسم الحديثي
هناك نوعان من الذهول, أن تذهل فرحا وابتهاجا بمناسبة جميلة ومدهشة كأن تفوز بمسابقة, وهناك ذهول من نوع معاكس وهو ذهول الصدمة السلبية التي تسبب لك انكسارا, الغريب في الأمر امتزجا معا هذان النوعان المتضادان, ذهول الاندهاش بالقدرة السردية المتميزة بالبناء السردي الحداثوي وذهول الإمكانية الشعرية المنسابة واختيار المجازية العالية في التعبير عن المقصود. وفي التضاد من هذا الذهول في إمكانية البناء التراجعي والمأساوي والحزين لما حصل في تاريخ العراق الحديث.
فتاة شابة تدخل عالم الرواية في انجازها الأول (بيت بيوت) بقوة وثبات ونجاح, انها الروائية وسن صالح, مواليد 1992 طبيبة أسنان وتسكن محافظة ديالى/ مدينة بعقوبة.توقفت لماماً عند عنوان الرواية, بيت بيوت وهي لعبة براءة البنات الصغيرات, ص 88 (صار الاطفال الذين كانوا يلاحقون الفراشات الضوئية في الليل ويلعبون لعبة بيت بيوت, يحرقون الكبريت في الشوارع).
الأطفال ذوو الملامح المزدوجة والمتضادة في هذه الرواية, بين اللعب والضحك وبين الضياع والخوف مما يرونه او يسمعونه من الآباء والأمهات, ومن بعضهم بعض, تميزت الرواية بإظهار هذا القلق في عيون الصغار, وبهذا كان العنوان مدخلا جميلا صحيحا يتضامن مع متن الرواية ولا يفسرها.بيت بيوت تسرد تاريخا ينحصر بشكل عام بين حصار التسعينات مرورا بسقوط الحكومة والدولة عام 2003 وانتهاءاً بما حصل من انواع العنف بعد التاريخ أعلاه, عنف طائفي وآخر قبلي ومثله ديني وينتهي بالاقتصادي.
وبعد العنوان الإهداء ص 5 (إلى الشهداء, الى أمي وأمك, إلى الحبيبات, الى الايتام), إهداء يضفي لمسة حزن جميلة تلامس فصوال الرواية.
في الرواية عناوين كمداخل لفصولها وعددها أحد عشر عنوانا, وبالفعل لكل عنوان علاقة ضمنية أو مباشرة مع أحداثها, ففي الفصل الأول (أيام الصمت) ص 10 (نسيت أن اعرف عن نفسي, أنا شمس, ولدت نهاية الحرب العراقية الغيرانية 1988, علي أن اكتب كل ما أعرفه ولكن كيف أستعيد ثقة الجدران بي من جديد لنكمل القصة, كيف أقنعهم بأني لم أشِ بهم أبداً؟), في هذا المقطع تميزت الروائية بوصف الخوف من السلطة, ذاك الرعب الذي ارتاعت منه حتى جدران البيت, الجدران التي لها آذان, ص 10 (نعم يا جدتي لها آذان, آذانها هب مصدر آلالمها لكنها لا تشي بأهلها), هنا نفهم أن في الأنظمة القهرية كثيراً من الضعفاء والمساكين وأصحاب المصالح يصبحون وسيلة لإيصال أية معلومة مضرة بالسلطة أما خوفا أو لتحقيق مصلحة.
في فصل أيام الصمت نرى نماذج من المظلومين والخائفين والمقتولين والمفقودين في مرحلة ما قبل 2003 م, مثال: خالني ياسمين وزوجها محمد الذي فقد في الحرب العراقية الإيرانية.
مثال: الصور في غرفة الضيوف (صورة خالي عادل وأمي وأبي, تعرفت عليها من الصور) أم شمس وأبوها استشهدا في القصف الأمريكي على العراق.
مثال: أم حيدر التي سكنت هنا فجأة, فقدت زوجها وولديها عام 1991, يقولون هم في السجون السرية, لذلك تركت منطقة سكنها الاول, هي تنتظر فقط, هل اعدموا ام هم احياء, هي تؤكد هم أحياء.
مثال: أصابع أبو دنيا قطعها كي لا يذهب إلى الحرب.
مثال: ميراي بنت أم جورج هاجرت وتركت البيت لسلمان الرجل الكبير الملتحي الذي يراقب الآخرين ويكتب التقارير.
مثال: دانيال الشخصية الفريدة من نوعها, قتل والداه وهو صغير خبأه جد شمس ثم هربه إلى الأردن, دانيال أبن أنور اليهودي, حصل هذا عام 1954م.
هكذا يرى الجميع أن دخول الأمريكان حلا لمشاكلهم رغم القلق الذي يحوم في دواخلهم, باستثناء المستفيدين ومن في السلطة.
فصل (وجه اللغة الجديدة) ص 54 (أضعفوا بغداد في الحصار, بالجوع, بالموت, والخوف, قيدوها, سلبوها أطفالها, قشروها من القوة من الحب ومن كل ألوان الحياة).
هكذا وجدت وسن صالح ما حصل للعراقيين في الحصار الاقتصادي, الحصار الذي ساد جموع الشعب الوسطى والفقيرة فقط, تمهيدا لدخولهم العراق بعساكرهم التي أسقطت الدولة كلها.
فصل (سرقة الموت) ص 57 (قصفت بغداد وأم قصر والبصرة وغيرها من المحافظات, نحن الصغار كنا نبتلع أخبار التلفاز مصدقين الانتصار القادم, ربما أيضا سنحرر فلسطين بعد هذه الحرب).
تغورت الروائية بشطارة دواخل الأطفال والبسطاء في بداية الحرب, صدقوا ما يرونه ويسمعونه من التلفاز.
فصل (الأخلاص دليلنا للعودة), ص 59 (لم يبقَ من الجيش العظيم سوى بزته العسكرية التي تحتفظ بها دواليب الثياب في البيوت, وتوزع مخلصوه بين مهاجر ومختبئ بعيدا عن المجاميع التي تقوم باغتيالهم واحدا تلو الآخر, أما من خانوا الوطن وقدموه قربانا لأطماعهم فقد تسللوا إلى نفوذ الحكم الجديد).
هنا صوّرت وسن صالح ما حصل بالتمام بعد عام 2003, كانت فرق الموت والسرقات تجوب الشوارع أمام أعين العسكر الأمريكان وكأنهم بحمايتهم أو فعلا ذلك.
عبارات معبرة جميلة ذات دلالات:
ـ ص 15 (كنت أعتقد أن الموت قد اكتفى بهؤلاء الموجودين في الصور).
ـ ص 41 (لكني أحب القراءة تحت ضوء الفانوس,أحب إنصات لهبه لأفكاري وهي تتراقص على إيقاع حركة الهواء).
ـ ص 47 (كيف بهن والبحر من أمامهن والنار وراءهن, تفكر إحداهن لو أنها وجدت بحراً يشبه البحر الذي ألقت به أم موسى ابنها لما توانت للحظة عن إلقاء أولادها جميعا, هكذا فكرت بغداد).
ـ ص 62 (ربما استطيع تحرير الأرواح المعذبة في سجون حكاياتها, ربما أيضا ستتعلم البيوت كيف تصرخ, وتطرد غربان الموت عن مدنها).
رواية بحق وتتكون من (111) صفحة بغلاف جميل وبلون يميل إلى السواد معبرا عن أحداثها, يتزين الغلاف بصفحته الأمامية بصورة فتاة تدير ظهرها على عالم عراق اليوم بيأس فيتدلى شعرها السرح حتى أسفل كتفيها.
رواية من الحجم المتوسط كانت باكورة أعمالها تحمل أحداثا في متنها حصلت بعضها والروائية في عمر الطفولة.



