ابو ذر في مدن الحرمان
سألني ابو ذر عنها فأجبته انها منطقة تحاول الاندماج مع أخواتها من المدن التي تكُون العاصمة الحبيبة بغداد ، ولكن إهمال النظام السابق لها كان يشير الى عملية إقصاء بنية مبيتة على ما يبدو ؛ لأن النظام البعثي قد أستشعر خطورة قرار عبد الكريم قاسم – بتحويل صرايف الجنوبيين الى مدينة الثورة – على ديمومة حكمه ، فرغب كثيرا ببقاء «حي طارق» كمدينة قابعة فيما وراء السدة ، وعمل على انشاء معادل موضوعي لمدن وأحياء جديدة من طيف آخر تتمتع بجميع خدمات الانفاق الحكومي العام ، وامتيازات رضا السلطة ، وكرم عطايا السلطان ، وقد نجح الطاغية صدام بإنشاء مدن راقية لزبانيته فقرر ابو ذر زيارتها وهناك كان لأبي ذرّ تساؤل قد طرحه وهو يشاهد معالم مدينة «حي طارق» والغبرة المكتظة من شوارعها بفعل غضب التراب على فساد المسؤولين الجدد وهو «ألم يتسنم أبناء هذه المدينة مناصب ومواقع تنفيذية وتشريعية في الحكومة الجديدة ؟ فلماذا بقي حالها على ما كانت عليه ؟! ، ولم نلحظ تغييرا ملموسا على صورتها إلا القليل. فلا تزال مدرستها وحيدة تستقبل الطلاب على خجل و وجل في كل عام دراسي ، وتتلعثم المسافات في طرقاتها خجلا بفعل زخات المطر ؛ لما تسببه من وحل للمارة ، وتغرق شوارعها في أول كرم سماوي من رحمة الله أهو قدر «حي طارق» ، وهل يظلم القدر عيال الله وأحباءه ؟ أم هو خيار أهلها فيمن ولوهم عليها ؟ هكذا كلمَّ أبو ذر نفسه قبل أن يحث الخطى صوب مركز الصحي الوحيد في الحيّ فقد كان المركز الصحي شبيها بمدينة غادرتها الحرب توا ، ولكنها تركت جميع أوزارها فيه ، فلم يكن بمقدور المركز أن يقدم علاجا للمرضى ؛ لأنه مصاب بداء العجز عن أداء الوظيفة الصحية للمجتمع بفعل غياب التخطيط الحكومي ، وعدم عدالة توزيع المخصصات المالية بين مركز العاصمة وأطرافها في الموازنة العام للبلد في كل سنة لا تزال «حي طارق» وغيرها من المدن تحمل هذا التناقض المتشابه في العمل والممارسة ، فلقد أهملها الجلاد خوفا منها على سلطانه وأهملها الضحية طمعا بمالها ؛ لتثبيت أركانه، ويا له من ظلم يجتمع فيه النقيضان على حيّ أبى إلا أن يعيش عزيزاً في دياره .
أبن السكيت



