الروائي محمد خضير سلطان في جمعية الثقافة للجميع

المراقب العراقي/ أمـل الطائي
وسط حضور جميل محب للرواية وللنشاطات الادبية والثقافية احتفت جمعية الثقافة للجميع بالروائي المبدع محمد خضير سلطان يوم الثلاثاء الماضي لالقاء الضوء على روايته «شبح نصفي» بحضور نخبة من النقاد والمثقفين، ادار الندوة بجمال وألق الشاعر جاسم العلي.استهل الجلسة بالترحيب بالضيوف الكرام والمحتفى به مع التعريج على كلمة قصيرة لنشاطات جمعية الثقافة للجميع ـ مقهى نازك الملائكة واثرها في ترسيخ وبناء ثقافة عراقية حرة ودعم الشباب الموهوبين لمواصلة مسيرتهم في الابداع والجمال في القصة والرواية والشعر والاستفادة من خبرات من سبقهم في هذا المجال الرائع.قدم بعدها شاعرنا المبدع جاسم العلي نبذة عن السيرة الذاتية لضيفنا الكريم والتعريف بمنجزه الادبي ومؤلفاته التي تحمل ميزة قلما يتفرد بها الروائيون في يومنا هذا، فأسلوبه في القص او السرد يتميز بحبكة عالية وسرد حكائي لايخلو من غرائبية.يرى الاستاذ «شمخي جبير» أن القارئ المتتبع لنصوص الرواية «شبح نصفي» واستعراض شخوصها والوقوف على الأحداث الرئيسة للرواية «انها رواية سسيوثقافية وذلك يبدو جليا في تصفح وتأويل الوقائع سياسيا وتاريخيا واجتماعيا.. ورصد الحراكات الاجتماعية وتمثلاتها في الانفلاتات والانتقالات الطبقية وفق الظروف والتطورات الاجتماعية والاقتصادية.وقد اشار الكاتب الى ان روايته تسعى لان (تنضوي ضمن حقل رواية الافكار)، فهناك ثلاث مرويات كما يسميها المؤلف (الاولى تمثل النسخة الرعوية الضامرة والثانية تندرج في سياقات التحول الحديث والثالثة كانت الحصيلة الرمزية لشقاءاتهما عبر التاريخ) فهي رحلة سيسيولوجي ترصد منظومة القيم الاجتماعية الحاكمة لا تضع فواصل واضحة بين الصحراء والريف، ربما يتجلى الفرق بوجود الماء الذي يعد عامل استقرار، فتتحول الخيمة المصنوعة من الشعر او الصوف الى كوخ او صريفة مصنوعة من القصب والبردي. ربما يكون الكوخ والصريفة اكثر ثباتا واقل قلقا من الخيمة، لكن العدة العقلية والقيمية والاطر المرجعية لاتختلف بين هذا وذاك (البدوي والريفي)، ربما تتهذب او تتشذب بعض السلوكيات عند البدوي حيث يصبح قرويا او ريفيا ومنها رضاه بقيامه بالزراعة وقد يكتسب بعض اللين والطراوة بعيدا عن الاضطراب الذي يواجهه بالصحراء ومجاهيلها وتحدياتها اشارات كثيرة الى اهمية الماء والنهر في ثنائية عكسية مع كل ما هو صحراوي اذ لا تجتمع الصحراء بالماء.وحشة الصحراء وعدم استقرار الحياة فيها يقابلها حياة الاستقرار قرب الانهر «وجعلنا من الماء كل شيء حي» فقرب الماء تقام المدن والحواضر وتزدهر الحضارة لانه عامل استقرار وتوطن.واضاف بان الرواية «رواية سسيوثقافية» لانها تصف وببراعة الصراعات بين الاطراف الثلاثية في المجتمع العراقي المتمثلة في «البداوة والريف والمدنية» ووصف مآل اليه المجتمع العراقي في خضم هذه الصراعات بوجود الحروب والحصار والظروف الاخرى التي مر بها المجتمع العراقي فهو يعاني اليوم من انكسارت وتشظيات حادة يصعب معها وقف المد البدوي والريفي كعادات وتقاليد تركت ظلالها الثقيلة على حياة المدينة التي حاولت جاهدة ان تعود الى سلطة القانون بدلا من سلطة العشيرة التي تعود بنا الى حياة البداوة والتي لاتتماشى مع حياة المدن، واشار بدا ذلك جليا في الرواية من خلال تتبع حياة «آل فالح» ذلك البدوي الذي يروم شراء المدينة لانه تعب من الحل والترحال لكنه لايستطيع ان يستوعب التمدن ونقل ارثه البدوي الى المدينة كي يستطيع التاقلم، ولكن عدم الاستقرار وعدم الشعور بالامن حتى لسكنى الريف الذين يعتمدون الزراعة وخوفهم الدائم من فيضانات دجلة والفرات تجعل نفوسهم قلقة ويغلب عليها الشعور بالخوف من القادم والمجهول فتعيش شخوصهم في رعب دائم من شبح نصفي يختفي ويعود ليعكر عليهم صفاء ورغد العيش، فالجميع هنا يعانون من جهوزية لصراع دائم فيقرروا الرحيل الى المدينة لعلها تخلصهم من الخوف المسكون في نفوسهم، لكنهم لايريدون التغيير فالبدوي وان غيّر ملبسه لكن عقله يبقى متمسكاً بتقاليده ولايريد تغييرعرفه البدوي او العشائري، وبذلك تبقى المدينة المفتوحة امام البادية والصحراء مشروعا قائما بين المد والجزر بين المدنية والقانون وبين العودة الى حياة البداوة، فالتغيير ليس بالامر الهين والسهل في خضم الصراعات بين الاعمدة الثلاثة « البداوة والريف والمدنية»، ويقول في ختام كلمته ان آل فالح يخشون بعضهم البعض ولكنهم مستبدون ولايخشون غضب الشعب ويشير الى اننا لم نستفد من تجارب من سبقونا مثل الانكليز فقد فتحوا لنا الطريق الى الهند ولكننا لم نسر بالطريق المرسوم لنا فاضعنا البوصلة وفقدنا البصيرة.
ويستعرض بايجاز تاريخ العراق ليربطه باحداث الرواية فيقول: «سيطرة الدولة العثمانية التي اننتهت بسيطرة الانكليز وسقوط السدارة لتحل محلها البيرية العسكرية»، اذن فليس هناك اي بصمة للمدنية المزعومة والتي تحدث عنها جواد سليم في نصبه او التي اشار اليها عبد الفتاح ابراهيم، ويشير الى ان الجماهير وقعت ضحية لاكاذيب معسولة عن التغيير الذي فشلنا في ابراز هويته رغم تعاقب الزمن.بعد ذلك توالت القراءات النقدية للرواية وكان للناقد اسماعيل ابراهيم العبد ورقة نقدية معمقة لهذه الرواية حيث اشار: «الشبح النصفي تنمية للتراث المسجل وعنى بذلك انه يمثل شبحاً او طيفاً معلقاً او نصف ميت ونصف حي يكون مدارا للاحداث المتوالية وتنسج حوله الرواية ليكون محورا هاما في حياة شخوص الرواية وابطالها»، وان محور الرواية يدور ليسجل تاريخ المجتمع العراقي عبر حقبة زمنية صعبة تحمل في بصماتها تغيرات هائلة ما بين قبول التغيير والعيش وفق حياة مدنية وبين العودة الى حياة الصحراء وتقاليدها البدوية او الركون لحياة الريف على عدّ ان العراق بلد زراعي من الطراز الاول والعودة الى هيمنة العشيرة وتقاليدها.اما الورقة الثانية فكات للاستاذ الناقد «محمد جبير» وقد كانت له رؤى اخرى حيال هذه الرواية واطلق عليها اسم «رواية ثقافية» ووصفها بانها رواية صعبة لايمكن ركنها والمرور عليها بسرعة، بل تتطلب التأني بقراءتها لفهم مدلولالتها، لانها تمثل فكرة ضمن رواية، وهناك راوٍ سردي مخالف للراوي المباشر اي يوجد فاعل او مؤسس على فعل التغيير، فرواية من هذا النوع لايمكن استيعابها وفهم مكنوناتها من قراءة اولى لأنها ممتلئة بالاشارات والرموز، ولو اراد الكاتب ان يضع هوامش لاصبحت ثلاثة اضعاف حجمها، لانها تناولت ازمنة فتحدثت عن مئة سنة ماضية ومئة سنة قادمة اي «قرنين من الزمن باحداثها وشخوصها» وان ذلك يعني «سرداً لاحداث مجتمع برمته لمئتي سنة ليس بالامر الهين او اليسير ولذلك فالرواية متجاوزة لزمنها من الناحية السردية والثقافية» ولكنه استطاع ضغطها باسلوب شيق يجعل المتلقي لا يلتقط انفاسه لمعرفة نهاية الحدث.هنا
تلا ذلك فتح باب المداخلات وكان للاستاذ علاء الوردي مداخلة اشار فيها الى ان الرواية تمثل سوسيولوجيا ثقافية تميل في سردها الى المتافيزيقيا وتحمل رؤى فلسفية.وكانت المداخلة الثانية للاستاذ حسين البياتي الذي بادر بالسؤال آلرواية واقعية ام خيالية؟ ورد الروائي محمد خضير بان الخيال جزء من الواقع والواقع جزء من الخيال فالتداخل بينهما عميق جدا وهما ليسا ثنائية والاحداث داخل الرواية غير واقعية بالرغم من وقوعها في حدث زمني عشوائي لتكون انعكاساً لواقع فهو خيال واقعي وواقع خيالي في ذات الوقت.وقد شاركنا الروائي المبدع راسم الحديثي بمداخلة قيمة حول امكانية توزيع الرواية على الحضور ليتسنى لهم الاطلاع على الرواية والمشاركة بشكل اعمق في الحوارات التي تدور حولها، ونحن نوافقه الراي فالكثير من الحضور الكرام لم يستطيعوا الحصول عل نسخ منها وبالتالي كانوا متلقين فقط.
في نهاية الجلسة شكر الروائي محمد خضير سلطان جمعية الثقافة للجميع متمثلة بشخص الدكتور الساعدي رئيس جمعية الثقافة للجميع ولجنتها الثقافية، وشكر الشاعر جاسم العلي الضيف الكريم والحضور واضاف ستبقى جمعية الثقافة للجميع منبرا حرا للمثقفين والمبدعين ولكل من يروم بناء ثقافة عراقية تليق بحضارة وتاريخ ارض الرافدين.



