قراءة نصية.. إحصائية في رواية «إمرأة على قيد سراب» آليات الإتساق النحوي وأثرها في تماسك النص الأدبي.. من خلال أدوات الربط

داود سلمان الشويلي
آلكلام المكتوب يتبع الكلام المنطوق، أم ان الكلام المنطوق هو الذي يتبع المكتوب؟ فهل هذه إشكالية قائمة في اللغة العربية وفي الكثير من لغات العالم، خاصة بوجود لهجات عامية كثيرة في لغة أي مجتمع؟ في لغتنا العربية الفصحى والمتفق عليها بيننا نحن العرب، فإن الكلام المكتوب يتبع الكلام المتفق عليه عربياً على انه لغة عربية فصحى. ولم يتبع الكلام المنطوق، لأن ما منطوق من كلامنا هو اللهجة العامية لكل تجمع سكاني يبعد عن الآخر بمسافة تجعل اللغة، أو اللهجة، متغيرة الى حد ما، أي يتغير اللحن لمفرداتها، أو تتغير بعض مفرداتها لفظاً أو معنى.
ولما كان الكلام المنطوق تضم لغته، أو لهجته المحكية، مجموعة من أدوات الربط والوصل، فحتماً تكون الكتابة أيضاً تضم مثل هذه الادوات.
والكتابة هذه في بعض الأحيان تترك مثل هذه الروابط، و تهجرها، لأنها تريد أن تقلِص، وتختصر ما تكتبه، حالها حال الكلام المنطوق الذي يأتي عرض الخاطر في إختصاره، و تقليل ألفاظه.كانت وما زالت، على الرغم من شبه إنطفاء لها، المناهج النقدية التي تعالج النص الأدبي تعتمد الأحكام القيمية، ثم ظهرت بعدها قبل أكثر من خمسين عاماً في أوربا، ثم في الوطن العربي، المناهج النصية التي تحلل النص الأدبي، وإيجاد القواعد العلمية التي تتحكم به. وبعيدأً عن «عقدة الخواجة» نقول إن العرب قبل ألف عام قد درسوا النص من داخله، وحللوه، ووجدوا ما كان يضمه. ولا أريد هنا أن أكتب بحثاً تنظيرياً عن الدراسات اللسانية في النقد القديم على المستوى العربي، أو في الوقت الحاضر، وكذلك عن أحد عناوينها الأساسية وهو «الاتساق» على المستوى الاوربي والعربي كذلك، لأن الكثير من الدراسات والبحوث قد كتبت ونشرت عنه. وكذلك فإن المقام لا يتحمل مثل هذا البحث، لأن الدراسة هذه دراسة تطبيقية عن «الاتساق النصي» في رواية «إمرأة على قيد سراب»، للروائي الجزائري مصطفى بو غازي.
في درس لسانيات النص، اهتم اللغويين كثيراً في دراسة الجملة والنص، وقد أخذت الجملة اهتماماً كبيراً من الباحثين والدارسين لأنها، ومن بعدها النص، لا يمكن دراسة المعنى منفصلا عن سياقه اللساني ابتداءاً منها، للوصول الى معرفة كیفیة تماسك بنائه الكلي، والوصول الى معناه.
وقد اهتمت لسانیات النص بدراسة «الإتساق و الإنسجام»، إذ إن الاتساق يتعلق بالجوانب التركيبية داخل الجملة لنصل الى النص، فيما الإنسجام يتعلق بالجوانب الدلالية له.
و»الإتساق» يعني ترابط الجمل في النص مع بعضها البعض بوسائل لغوية معينة، وقد عني الدارسون بهذه الوسائل/ الروابط، وهي: الإحالة و المرجعیة، والاستبدال، الحذف، الوصل العطف، الاتساق المعجمي.
وقد درس نقادنا القدامى هذه الأدوات كما عند القزويني في «الإيضاح في علوم البلاغة»، وعبد القاهر الجرجاني في «دلائل الاعجاز» وغيرهما.
ولما كانت الجملة مقولة تركيبية، والترابط علاقة دلالية، أي أن الترابط هذا يحيل الى الدلالة، فإننا في هذه الدراسة سندرس ترابط الجمل في الرواية هذه، فيما نترك الى وقت أخر العلاقات الدلالية، أي الإنسجام في النص.
والأدوات هذه التي تربط الجمل بعضها البعض صنفت عند الدارسين الى صنفين، هما:
أولاً: ما يفيد إشراك الجملة اللاحقة بالجملة السابقة، مثل أداة «الواو» وهي من حروف العطف، وتربط الجمل العديدة فيما بينها.
ثانياً: الأدوات التي تربط الجمل بعد تحديد نوع العلاقة التي بينهما، مثل «الفاء» التي تفيد الترتيب من غير تراخ، و»ثم» التي تفيد الترتيب مع التراخي، و»أو» التي تفيد تردد الفعل بين أمرين وتجعله لأحدهما، و»حتى» التي تفيد الغاية، و»لكن» التي تفيد الاستدراك، و»بل» التي تفيد الاضراب، وغيرها من الأدوات. وقد اعتمدنا في هذه الدراسة الأدوات هذه المذكورة هنا من دون بقية الأدوات الأخرى مثل الضمائر، وأسماء الإشارة، وغيرها، لكي لا تطول هذه الدراسة.
هذه الادوات وغيرها لا تربط الجمل فيما بينها ربطا مجانياً بل هي تربط الأفكار والرؤى والصور، لكي يكون النص متماسكاً وكاملاً.
في رواية (إمرأة على قيد سراب) للروائي الجزائري مصطفى بو غازي تبرز لنا أدوات الربط بين الجمل كما في العيّنة التي اعتمدناها في هذه الدراسة. وقد أتاحت لنا دراسة هذه العيّنة الكيفية التي كان يفكر بها الكاتب أثناء كتابته للرواية، وكذلك معرفة تماسك النص الروائي.وكعينة للفحص أخذناها من الرواية، حيث استقطعنا منها جزءاً من ص 8 الى ص 22، أي من الكلمة الأولى فيها الى آخر كلمة على ص 22، فكانت العينة من: (تدانى الربيع مسرعا، فقد كان الشتاء ممطرا، وظلت قمة الجبل تحتفظ ببقعة من الثلج، يعكس تمازج بياضه بزرقة مشعة) الى (حيث خطت سطرا تحت تاريخ معين لتعود أول إلى الصفحة الموالية بعد كتابة عبارة « يتبع». 1977)، فأصبحت هذه عيّنة للدراسة هذه.فمن مجموع كلمات الرواية البالغة (20289)، وفقراتها البالغة (236) فقرة، استخدمنا (3196) كلمة و(41) فقرة. و قد استخدم الروائي بكثرة أداتيْ الربط: «الواو»، و»الفاء»، في هذه العيّنة، على الرغم من إستخدامه أدوات أخرى لكن بنسب قليلة. والدراسة تجد ان الروائي كان أكثر اقتصاداً في استعمال بقية الأدوات لكون الرواية هذه تتطلب منه ـ بوعي منه أو بدونه ـ أن يستعمل تلك الأدوات بحذر تام. وهذا ليس معناه أن الرواية خالية من بقية الأدوات التي تحدثنا عنها في فقرة الوسائل اللغوية.
وقد توصلت الدراسة ان في هذه العينة قد أستخدمت مجموعة من الروابط المذكورة في الجدول ادناه:
جدول ادوات الربط المستعملة في العينة: و، أو، أي، أم، بل، بعد، الفاء، حتى، لكن، هكذا، لعل، ثم.
ان هذه الدراسة هي دراسة وصفية/ إحصائية أريد منها ان تحصي في النص عدد استخدامه لأدوات الربط، و تصفها، لكي تصل الى الهدف المرجو منها، وهو الوصول الى رواية متماسكة أن كان من خلال هذه الأدوات أو ألأدوات الأخرى التي لم نتطرق لها خشية أن تكون هذه الدراسة طويلة جداً على صحيفة يومية.
لقد استخدم الراوي في العيّنة التي استخدمناها في الدراسة أدوات كثيرة، وهناك أدوات أكثر منها مبثوثة على طول النص، والغاية المرجوة من دراسة هذه الروابط هو الوصول الى نص مترابط ومتماسك بهذه الأداة أو تلك، لهذا تجد الدراسة هذه المعتمدة على عيّنة مأخوذة من نص رواية (إمرأة على قيد سراب)، لهذا خرجت الدراسة بنتيجة مفادها أن هذا النص هو نص مترابط و متماسك، فضلاً عن استخدام الروائي للغة بصورة مقتصدة و موجزة، تختلف عن كتابات اسلافنا كما وصلنا منهم من كتب و دراسات.
استعمل الروائي أدوات الربط الاضافي بكثرة جداً. إذ كان مجموعها يساوي 156 مرة، فيما استخدم أدوات الربط السببي بما مجموعه يساوي 39 مرة. و أدوات الربط الزمني بما مجموعه يساوي 12 مرة. و أدوات الربط العكسي بما مجموعه 3 مرات.
وهذا الاستخدام يعود الى ان الروائي «بو غازي» كان في روايته هذه يجمع جملتين أو أكثر، أو بعض الجملة، أو أسماءاً لبعضها البعض، أو أشخاصاً عديدين، أو أشياء مختلفة و متعددة، الى بعضها البعض أكثر مما يفعل ببقية الأدوات ليخرج نصه أكثر ترابطاً وتماسكاً.
أما استخدامه لـ»فاء» فكان بسبب ان الجمل التي استخدم فيها هذه الاداة هي جمل وردت بسبب الجمل التي سبقتها. والأداة «هكذا»، والاداة «أي». والاداتين «بعد» و»ثم» فقد كان ورودهما قليلاً جداً.
ان رواية (إمرأة على قيد سراب) قد حفلت بأدوات الربط هذه، إلّا انها كانت في الوقت نفسه اقتصادية في استعمالها، وهذا مرده الى ان الروائي، بوعي منه أو بدونه، كان متأثراً بكتاباتنا الجديدة التي كانت مقتصدة في اللغة على خلاف الاقدمين الذين كان اسرافهم واضحاً و بين في تلك الادوات، خاصة أداة «الواو».



