أخلاقنا الإسلامية
حينما أشرقت شمس الإسلام على العالم، يوم كانت المجتمعات البشرية تتعذّب وهي مكبّلة بقيود الجهل والاضطراب والفوضى، يوم كانت الرذائل الأخلاقية تسود تلك المجتمعات بدلاً من الفضائل، يوم لم تكن البشرية في أرجاء العالم كلّها لتتمتّع بأيّ مظهرٍ من مظاهر حياةٍ تليق بإنسانية الإنسان فيما بين مجتمعاتها، التي كانت تسودها الاضطرابات والمصاعب، ويخيّم عليها ظلام دامس لا يُطاق. في مثل تلك الفترة التي فقدت الحياةُ فيها كلّ مظاهر الاستقرار والهدوء والراحة، كانت الحاجة ملحّةً إلى ظهور مُصلحٍ وقائدٍ قويّ يحمل رسالة ذات مسؤولية عالميةٍ، لإنقاذ هذه البشرية المتهاوية الضعيفة، فكان أن بُعث رسولُ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يحمل رسالةً تحيط بجميع شؤون الحياة البشرية بكلّ أبعادها وجوانبها وخصائصها المختلفة. كانت رسالته سماوية خالدة، لم تغفل عن ذكر كلّ ما من شأنه أن يبني الإنسان بناءً صالحاً. وقد أعلن القرآن الكريم غايتها التربوية الأساسية في وصفه لنبيّ الإسلام، بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾وقد اهتمّ القرآن الكريم بالأخلاق ومكارمها، وذمّ مساوئها في آياته المتكرّرة وسوره المتتالية، حيث بلغ مجموع الآيات التي تحدّثت عن الأخلاق، صراحة أو إشارة، أمراً أو نهياً، ما يقرب من ربع العدد الإجماليّ لآيات القرآن الكريم، وهذا يدلّ على أهميّة العنصر الأخلاقيّ في الشريعة الإسلامية. لذا، نجد أنّ هذا العنصر له دور أصيل في جميع ما أسّسه الشارع في أصوله التشريعية والتهذيبية. فإنّ القوانين والسنن التي سنّها الشارعُ وإن كانت عادلة في حدود مفاهيمها، وأحكام الجزاء وإن كانت بالغة في شدّتها، لا تجري على رسلها في المجتمع، ولا تسدّ باب الخلاف وطريق التخلّف، إلا بأخلاق فاضلة إنسانية، تقطع دابر الظلم والفساد، كملكة اتّباع الحق واحترام الإنسانية والعدالة والكرامة والحياة ونشر الرحمة ونظائرها. وبالجملة السنن والقوانين لا تأمن التخلّف إلّا إذا تأسّست على أخلاق كريمة إنسانية واستظهرت بها. ومن هنا تبرز أهمّية الأخلاق في استقرار حياة البشر وفي جعلها أكثر سعادة وأكثر سمواً..وهذا الكتاب، «أخلاقنا الإسلامية»، يعالج في مجموعة من الدروس الهادفة جانباً هامّاً من الصفات الأخلاقية التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان المسلم في حياته الفردية والعملية، ابتداءً من النية، وصولاً إلى مجموعة من المفاهيم الأخلاقية والتربوية الهامة، وذلك بلغة سهلة خالية من التعقيد اللفظيّ والمعنويّ.



