النسخة الرقميةثقافية

ساعة الحائط اللعينة

د. محمد الدفراوي ـ مصر

قبل الثامنة عشرة من عمره لم تخطر علي باله مهنة الكتابة ، تنفس في بيت تتكدس فيه عشرات الكتب من كل فن وعلم.. بفضل والده نبت فيه حب الكتب و ترعرع دون جهد. فلم تكن تكفيه ساعات الليل والنهار ، ولا تروي ظمأه المتطعش لابتلاع الكتب القابعة في الأركان.. سكونها المفتعل يزيد تحديه لمنازلتها.. كان يفر اليها هربا من ضغط الحياة، لا شيء يحول بينه وبين الكتب ولا يتوقف نهمه، يطيل النظر إليها كمن قرر أن يطبعها في ذاكرته.
كان يحدث نفسه: من أوقفه شيء عن الكتب لا يستحق لقب أديب.
كما ورث عن أبيه ساعة حائط لعينة في مكتبه، لا تكف عن لعن عن نفسها، تستثير اعصابه تطارده كالكابوس، يتابع حركة عقاربها بقلق متستفز.. عدوه الأوحد الذي يقطع عليه محاورة الكتب.. لذته المخفية.. يا لك من لعينة تحجبين عني كل شيء!
يقف امامها وقفة البائس، فتمر الدقائق دهرا.. نظراته لها كمسدس كاتم للصوت، يلتمض.. يدفعه خياله العاجز ليجلب كرسيا يمكنه من إعادة عقاربها الى الوراء، لكي تهدأ روحه النافرة، لكن حيلته تفشل.. حاول أن ينفضها من داخله، أن يتحرر منها لكنه لم يستطع؟ فإحساسه المرهق أمام الساعة ما زال نافرا من جريانها.
دفعه اشمئزازه أن يدفس دماغه في أحضان كتاب حتي يتواري عنها كلاعب سباحة.. دفعه صوتها الضاغط أن يسد اذنيه بخرقة بالية حتى لا يستمع لصوت بندول كفحيح أفعى.
لم يكن يحب حركة الزمن للأمام. حركته تحوله متحمسا في حلقة ملاكمة.
لم يكن في استطاعته نزعها من مكانها او اخفاء وجهها عن وجهه.. منكسرا أحس بالضجر بين كتب انضجت روحه وساعة لعينة لا تريد ان تبطئ.
ألقى جسده المرهق على مقعده الهزاز وسط ضوضاء نفس لا تطاق؛ لم يجد حلا سوى أن يهزم عدوه ويحسم مباراة البيسبول. امسك حائرا ورقة وكتب كلامها يبحث فيه عن اللغز بطريقة تختلف عن فهم الآخرين.
كتب في السطر الأول: ساعة الحائط ليست رتيبة ولا ممللة، بل شابة تمتلئ حيوية وصخبا توجب عليّ الاعتذار عن ضجري منها.
اما في منتصف الصفحة: لا كسب من وراء غيابها عن حجرتي سوى بلاهة العيش.
في السطر قبل الأخير: الساعة تضبط ما تبعثر داخلي من فوضي زمني النحيل.
في السطر الأخير: بدونها تتسلل حياتنا كحقائب فارغة، وكل أشيائي ستجد مبرراً لزوغان مني.
علي هامشها بخط بارز: الملل الاختياري جريمة كبري.
تأمل ساعة حائطه كرواية كلاسيكية تفيض حياة، تجول بين كتبه، نسي الزمن.. شيئا فشيئا تطورت علاقته بها، شاركها موسيقاه على رأس كل ساعة.. عاد إليه وعيه.
وضعها بين عينيه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى