النسخة الرقميةثقافية

الطريقُ الأصفر

إبراهيم البهرزي

بعد الطواف في أحراش المواسم كنّا نعود من الطريق الأصفر صوب منازلنا، فهو الأقرب للمنازل بعد التعب، ثمة طرق اخرى لكنها صعبة على المتعبين، تمتد وتنحني في استدارات لجوجة كالحلازين، وفيها من مشاغل الشجر وغوايات الطير ما يشغل عن الوصول للمنازل بالبراءة التي ينبغي، في الطريق الأصفر تخلع كل الأشجار المحاذية هشيمَ أوراقها معَبِّدةً الطريقَ بحفيفها المتكسر وتمتد الغصون مشتبكةً جرداءَ كالمللِ، ما يدفع العابرين للتعجل في الوصول، الأقدام متعبة والملل يغذ الخطى.
تحتشد الطيور التي سأمتْ السماوات كدمى الفزاعات على رماح الغصون، موكبُ مشيعينَ يضلعونَ غروباً الى مقبرةٍ مستورةٍ إلّا من قمرٍ يتعفَّفُ عن كشف عورات الاحزان، وتهدلُ أو تنعب أو تغرد بأصواتِ من نادوا علينا ومن التفتنا اليهم، أسرابٌ من الطير تعرف غربتنا في المكان فتحنو بشدو الدليل، ولا نلتفت، في دروب سوى دربنا الأصفر كنّا التفتنا ولَم نلتقِ مرة بالمنادي، فصارت لنا عادة أنْ نعاندَ لا نلتفتْ.
ذاويةٌ كل ثمار المواسم الماضية، عجفاءَ، لا زوّادةَ لنا في الدرب غير لعاب التشهّي، بعض الطيور التي رافقتنا تتساقط كالروثِ بين اقدامنا، كلُّ ممرٍّ هشيمٌ وكل منعطفٍ أثرُ ثعبانٍ من السنين الماضيةِ، وربّما تهسهسُ تحتَ هشيم الورق المتيبس ضحكات أطفالٍ عادوا مبكِّرينَ الى منازلهم أو تأوّهات صبيَّةٍ خاطئة عادت عكس السير، قُدُماً نمضي يقودنا قنديلٌ خجولٌ لا ينضو ظلالنا إسوةً بالثعابين.
لو كانت لي قدرة القفز لعبرته قافزاً ، لكنني مثل من يحمل ساقيه على كتفيه، تلك السيقان التي كسَّرتها المواسمُ مِراراً صارت عبءَ أيامي وأنا أستعجلُ الوصول ولا معينَ في هذا الطريق، كلهم يزحفون مكابرةً أو تهالكاً، وما من أحدٍ يستجيرُ بأحدٍ ولا أحدَ يُجير، لقد عبرنا دروباً حملنا فيها جرحى اعدائنا على أكتافنا، وها نحنُ رفقةَ طريقٍ يلظمنا آحاداً كالخيوط الواهنة في سُمِّ الابرة، لم نعد غير متاع طريقٍ جريحٍ تعفنت جراحهُ بالصديدِ ولن يلتئم الجرح دون عبور اجسادنا، وهناً نعبرُ وخزاً وتقطيباً حتى آخر الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى