معنى الرزق في القرآن
الرزق واحد من المفاهيم التي اعتنى القرآن الكريم ببيانها في عدّة من آياته، لما له من صلة وثيقة بالعقيدة والسلوك. وفيما يرتبط بـ«ماهيّة» الرزق وتقدير الله تعالى له، فقد أفاض في بيان ذلك العلّامة الطباطبائي في الجزء الثالث من موسوعة «تفسير الميزان» عند تفسيره للآيتين 26 و27 من سورة آل عمران، عند ذيل الآية الثانية منهما، وهي قوله تعالى: ﴿..وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾..فالرزق معروف، والذي يتحصّل من موارد استعماله أنّ فيه شوباً من معنى العطاء، كرزق الملك الجنديّ، ويقال لما قرّره الملك لجنديّه ممّا يؤتاه جملةً رَزَقَه، وكان يختصّ بما يتغذّى به لا غير، كما قال تعالى: ﴿..وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ..﴾ البقرة:233، فلم يُعِدَّ الكِسوة رزقاً..ثمّ تُوسّع في معناه فعُدّ كلّ ما يصل الإنسانَ من الغذاء رزقاً كأنّه عطيّة بحسب الحظّ والجدّ وإن لم يُعلم معطيه، ثمّ عُمّم فسمّي كلّ ما يصل إلى الشيء ممّا ينتفع به رزقاً وإن لم يكن غذاءا، كسائر مزايا الحياة؛ من مال، وجاه، وعشيرة، وأعضاد، وجمال، وعلم، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ المؤمنون:72، وقال فيما يحكي عن شعيب: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا..﴾ هود:88، والمراد به النبوّة، والعلم، إلى غير ذلك من الآيات والمتحصّل من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات:58، والمقام مقام الحصر: أنّ الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلّا إليه، فما يُنسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدّقه أمثال قوله تعالى: ﴿..وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجمعة:11، حيث أثبت رازقين، وعدّه تعالى خيرهم، وقوله: ﴿..وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ..﴾ النساء:5، كلّ ذلك من قبيل النسبة بالغير، كما أنّ الملك والعزة لله تعالى لذاته، ولغيره بإعطائه وإذنه، فهو الرزاق لا غير..وأنّ ما يَنتفع به الإنسان انتفاعاً محرّماً لكونه سبباً للمعصية لا يُنسب إليه تعالى، لأّنه تعالى نفى نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع، قال تعالى: ﴿..قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف:28، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ..﴾ النحل:90، وحاشاه سبحانه أن ينهى عن شيءٍ ثمّ يأمر به، أو ينهى عنه ثم يحصر رزقه فيه..فالرزق مع كونه حقّاً على الله لكونه حقاً مجعولاً منه عطيّةٌ منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه، بل من جهة ما جعله على نفسه من الحقّ. ومن هنا يظهر أنّ للانسان المرتزق بالمحرّمات رزقاً مقدّراً من الحلال بنظر التشريع، فإنّ ساحته تعالى منزّهة من أن يجعل رزق إنسان حقّاً ثابتاً على نفسه، ثم يرزقه من وجه الحرام، ثم ينهاه عن التصرّف فيه، ويعاقبه عليه..كذلك الرزق منه ما هو رزق عامّ، وهو العطية الإلهية العامّة المُمِدَّة لكلّ موجود في بقاء وجوده، ومنه ما هو رزق خاصّ، وهو الواقع في مجرى الحِلّ.



