السياحة التطوعية للشباب عطلة بطعم إنساني

للسياحة طعم الراحة والاستجمام وأيام من العز نشتغل من أجلها طيلة العام، لكن المفاهيم الثورية التي ولدتها الثورة التكنولوجية غيرت النظرة إلى الحياة وتفاصيلها، أصبحت سياحة اليوم هي المشاركة في حياة الآخرين وثقافتهم، بل مساعدتهم دون مقابل، فقط لأنهم يستحقون ذلك، ولأن حياتهم غنية بما تعلمنا أيضا.
الشمس، الشاطئ والاسترخاء، هذه كانت مواصفات إجازة الأحلام، لكن لا مانع في هذه الأيام إذا كانت الإجازة مرهقة بعض الشيء، وبالخصوص للمغرمين بالسفر خاصة منهم الشباب الذين يتوقون إلى اكتشاف ثقافات الشعوب الأخرى.
أصبح الشباب والبعض من المتقاعدين ومحبي المغامرة على استعداد للنوم فوق أريكة بدلا من النوم في غرفة فندقية، وأن يستقلوا حافلة عامة متداعية بدلا من سيارة أجرة، وأن يتناولوا الطعام في مطعم شعبي -أو تناول وجبة خفيفة في الشارع- بدلا من تناوله في مطعم بفندق، هم يريدون رؤية الحياة الحقيقية في الدولة الأجنبية وأن يتواصلوا مع المواطنين بصدق يدفعهم في ذلك استعدادهم للعمل التطوعي في البلاد التي يزورونها.
السياحة التطوعية التي يقبل عليها الشباب اليوم، لا تقتصر على التمتع بجمال البلاد التي يسافرون إليها، وإنما تشمل أيضا المشاركة في جعل تلك البلاد مكانا أفضل، ربما رعاية الفيلة في تايلاند، أو العمل لحماية الغابات المطيرة في كوستاريكا أو تعليم اللغة الإنكليزية في إثيوبيا.
ورغم أنها سياحة غير منتشرة في الوطن العربي بشكل مكثف إلا أن هناك بعض الشباب الذين يحبون المغامرة، انخرطوا في هذا النوع من السياحة غير المُكْلِفة، لكنها بدأت في الانتشار من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر صور الطلبة الذين يسافرون إلى أماكن تبدو خطيرة لكنها تمتاز بمناظر ممتعة.
أعمال كثيرة قد يقوم بها السائحون المتطوعون الممتلئون بحب العالم كزراعة وغرس الأشجار والنباتات، وتعبيد الطرقات مقابل الاستمتاع بالرحلة السياحية في قلب الصحراء أو في الغابة.
والسياحة الشاطئية عند هؤلاء المتطوعين هي العمل على تنظيف وتنقية الشواطئ والسواحل، بموازاة الاستمتاع بالرحلة الشاطئية. وكذلك قد يقوم المتطوعون بأعمال جمع القمامة، وتنظيف الشوارع، ويتوقف دور السائح المتطوع أو يزيد حسب رغبته في القيام بذلك العمل.
الطلب على مثل هذه الفرص التطوعية مكثّف من فئات من الشباب لديها استعدادات خاصة للقيام بأدوار مجتمعية على النحو الذي تحبه وترتضيه وتحلم به لمجتمعها، لكن البعض بل أغلب الشباب ليسوا مستعدين للتبرع بوقت طويل لمدة ستة أشهر أو عام مثلا، لارتباطاتهم الدراسية أو المهنية.
لكن أغلبهم يحبذ اكتساب خبرة اجتماعية في بلاد أخرى من خلال قضاء مدد أقصر في الخارج تتراوح ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أشهر. وينطبق مصطلح السياحة التطوعية على الذين يقومون بنوع من العمل التطوعي أثناء قضائهم عطلتهم كسائحين. وهذا يعد الآن أحد الأنماط التي يزداد انتشارها في قطاع السياحة، وتقدر قيمته بالمليارات من الدولارات، بحسب ما قالته مجموعة العمل الخاصة بالسياحة والتنمية في ألمانيا. وتقدم بعض شركات السياحة الكبرى ما يطلق عليه اسم “عطلات الكارما”، وهي رحلة تتضمن العمل التطوعي والترفيه ومشاهدة المناظر الطبيعية والمواقع الأثرية.
يقول بنيامين هاس، الباحث بجامعة كولونيا، الذي يقوم بأبحاث في مجال التطوع “كلما قصرت مدة البقاء في الخارج، جاءت السياحة في المقدمة”.
المتطوعون عادة ما يعملون من الساعة الثامنة صباحا حتى الواحدة ظهرا، ثم بعد ذلك يكون أمامهم وقت حر في مدة ما بعد الظهيرة، وهذا يكون وقت التوجه إلى الشواطئ أو استكشاف المدن وعادات السكان وثقافتهم.
ومن بين الأعمال التطوعية الأكثر شهرة العمل مع الأطفال في دور الأيتام مثلا، لكن دوروثيا سزارنيكي، نائبة مدير منظمة معنية بمواجهة الاستغلال الجنسي للأطفال، تقول “دون قصد، يمكن أن يزيد التطوع من الفساد وتهريب الأطفال”.
ويعدّ الطلب على العمل مع الأطفال أمرا يحبذه الشباب وخاصة الفتيات اللاتي تجاوزن الثلاثين من العمر ربما بدافع غريزة الأمومة. وتشير نينا ساديفا، التي تعمل لصالح مجموعة العمل بشأن السياحة والتنمية، إلى أن “قضية الأطفال حساسة، هنا في ألمانيا، ليس من السهل أن يتولى أي شخص مسؤولية فصل أو دار حضانة، ولكن في أماكن أخرى، من السهل فعل ذلك ولا توجد قيود، مما يجعل الأمر مريبا”.
وتضيف “مع استمرار تغيير المشرفين على العناية بالأطفال، يعاني هؤلاء الصغار بصورة متكررة من فقدانهم لمن كانوا يرعونهم ، كما يصبح سلوكهم غير صحي”. وتوضح أنه لذلك لا يجب أن يتم جلب متطوعين مؤهلين للعمل في مشاريع مع أطفال لمدة أقل من ستة أشهر.
ويُنصح أيضا بالبقاء لمدة أطول في مشاريع التطوع التي لا تشمل الأطفال، مثل حماية البيئة أو رعاية الحيوانات.
ويقول هانس “بهذه الطريقة، يمكن للمتطوع تعلم اللغة ومعرفة البلاد وشعبها بصورة كاملة، وبالتالي يحقق مكسبا أكبر”. ويضيف “البلدان التي تتم زيارتها مختلفة تماما وذات ثقافات متنوعة، لذلك يكون الشباب في بداية السفر مشغولين بأنفسهم، ما يعني أنه في البداية لا يمكنهم تقديم الكثير.



