أخلاقية النقد الاجتماعي
علي جاسم فلك
كثير من النقاد ينظرون بسوداوية الى الظواهر والفعاليات والمشاكل الاجتماعية, فهم لا يرون إلا اللون الأسود أو الحالة السلبية من بين الحيثيات المختلفة لأمر ما، وهذه ظاهرة نقدية غير صحية قد تكون ناشئة عن عامل نفسي من مثل إدمان تتبع عثرات الآخرين, فلابد للناقد من النظر إلى سلبيات قضية ما في إطار لوحة متكاملة تبرز فيها ألوان من الإيجابيات التي قد تنطوي على مفاتيح خزانة العلاج للمشكلة، ومن أبلغ ما يمكن سوقه مثلاً لتأكيد الفكرة الأنفة ما ورد عن النبي عيسى (ع) من أنه مر وبصحبته الحواريون على «جيفة» كلب كان قد نفق منذ زمن، فأعرب الحواريون عندها عما أصابهم من القرف بسبب الرائحة الكريهة المنبعثة منها، حيث قالوا: ما أنتن ريح هذا الكلب.. فبادر عيسى (ع) إلى وصف جانب آخر من الأمر الراهن بقوله : ما أشدّ بياض أسنانه، ومن هذا نتمثل أن المطلوب منا عند تقديم تقييم أو نقد لأمر ما هو أن نرى السلبيات والايجابيات معاً، وأن لا ننبطح من جهة أمام الإيجابيات فحسب، ولا نتشنج إزاء ما يقابلها من السلبيات من جهة أخرى، بحيث لا نرى بصيصاً من الضوء يضيء طريق الحل، وأيضاً علينا كذلك أن لا نفرِط في التفاؤل، وعلى هذا لا بد للناقد الحاذق من التحلي بملكة تقييم موضوعي يزن المحاسن والمساوئ ويعطيها أوزانها الواقعية بلا تهويل أو تهوين ليتسنى إجراء تخطيط سليم لتنفيذ ما ينبغي أن يكون…وفي الخلاصة لما تقدم نزجي النقاط التالية لبيان المقومات الأساسية للناقد الاجتماعي بل لكل مشارب النقاد في مجالات الفن والأدب والعلم وغيرها: أولاً : الدوافع المستقيمة: إذ لابد للناقد من أن تكون دوافعه للنقد طاهرة من العقد النفسية تجاه موضوع النقد , فلا ينطلق مثلاً من الحسد أو الكراهية والنفعية وما شابه من الأخلاقيات التي من شأنها أن تبعث تشويشاً على الرؤية السليمة .. ثانياً : أخلاقية اللغة النقدية: على من أراد الظهور في المحافل ناقداً مهنياً محترِماً لنفسه وللآخرين أن ينتهج أساليب هادئة وجميلة في الوصف والتعبير عن الملاحظات والاستشكالات، مستلهماً موازين الآداب الإسلامية التي دأب أهل البيت (ع) على غرسها في المجتمع عبر العصور، فلا يسير على طريقة الكثير من النقاد الذين عندما يتناولون بالنقد موضوعاً ما فإنهم يذهبون إلى استخدام لغة تكتنفها أساليب التسقيط والاستخفاف والتوهين، كأن يطلقوا كلمات بعيدة عن الخلق الرفيع والأدب الحسن من مثل «قول فلان هذا يشير إلى أنه لم يشم من رائحة العلم شيئاً» أو «هذا من عنديّات جاهل مطبق عليه الجهل» وما إلى ذلك من العبارات التي تفترض سلفاً ــ قبل المناقشة العلمية ــ خطأ وسفه الرأي الآخر. ثالثاً: نقد الفكرة لا صاحبها: من مقومات المنهج السليم في نقد الأفكار عدم استهداف من يتبنونها في خصوصياتهم الشخصية، بل يجب توجيه النقد والتقييم إلى الفكرة حصراً لا إلى صاحبها، الأمر الذي لا يفعله الكثير من النقاد الذين يكتفون بالتشكيك في نوايا صاحب فكرة ما أو الطعن في سلامة عقله أو التهكم ببعض جوانب شخصيته ضمن ما يفترض أنه تقييم يقدمونه لفكرته, فيطرحون عبارات تمس شخص صاحب الفكرة وينعتونه مثلاً بأنه «متشنج في أسلوبه» أو «غير مؤهل لتعاطي هذه الأفكار» ، وقد يكون منشأ الأسلوب النقدي غير الموضوعي هذا في الكثير من الأحيان هو عدم قدرة الناقد على تحليل الأفكار بشكل صحيح أو عجزه عن مناقشتها وردها بالأدلة الناهضة.. رابعاً: شمولية النقد لجوهر الموضوع لا لشكله فحسب : لابد للناقد من أن يعالج جوهر الأفكار المطروحة للتقويم والنقد, لا أن يقتصر على وصف تقييم أطرها الشكلية، ليكون نقد الأفكار عميقاً وشاملاً لا سطحياّ أو شكلياً . وفي الختام من الجدير بالتنويه أن النقاط الأربع أنفة الذكر تمثل الأخطاء المزمنة والأكثر شيوعاً في أطروحات النقاد في جميع المجالات، إذ إن هناك أنواعاً أخرى كثيرة من الأخطاء النقدية التي قد تتفرع عن أصل ما ذكر ..



