الجنازة
د. أحمد غريب ـ مصر
يا له من يوم غير مناسب للجنائز، فالقيظ مستبد بالخلق، يقبض بيده القاسية على قلوب الناس، فكأنه يقبض أرواحهم ليلحقهم بهذا الميّت المُسجى فوق الخشبة، والعرق يتفصّد على الجباه، والسائرون يجرون الخطى جرا. هذه الحرارة العالية قد تكون بشرى غير سارة للزبون، أخذت أتفرس في وجوه الحضور الذين أعتلى العبوس وجوههم، فلا تدري أهذا مما يتذوقونه من الحر المالح؟ أم حزنا على الميت؟ أم تهيبا من موت ذاته؟ تفرست فيهم ـ ويا للعجب ـ وجدت نفس أنماط البشر الذين تراهم في الأعراس الضاجّة بالفرح والضحكات، قلما تجد فيهم من أتى محبة في صاحب الحدث، هذا رهط يواسي أحد أقارب الميت من الدرجة الأولى، لا يعنيهم الميت من قريب أو من بعيد، إنه صديقهم وفقط! يريدونه أن يتعافى سريعا؛
فقد اقتربت ساعة (الطلعة) الجديدة، أرى المتأنق المبالغ في تأنقه، يريد أن يظهر مدى أهميته وكيف قد تخلى عن القيام بمهام جسام ليحضر تلك الجنازة اللعينة فقط لأنه (صاحب واجب)، أرى تلك السيارة تسير في تؤدة و حزن أكثر ممن ابتلعتهم بداخلها، يقود تلك السيارة رجل أربعيني، يجلس إلى جانبه رجل طاعن سبعيني يتكئ بيديه الاثنتين على عصا خشبية، و تبدو للمدقق ابتسامة ساخرة بجانب فمه كأنها تقول «هربت منك مرة أخرى أيها الموت»، ثم وكأني أرى الموت يرد على ابتسامته بقهقهة مخيفة.
نمر بالجنازة على أقوام جلوس على المقاهي، فمنهم من يقف إجلالا للموت، ومنهم من يرفع إصبعه في تكاسل، وآخرون لا يشعرون بمرور الجنازة أصلا، نصل إلى المقابر المكتظة بالأموات والأحياء حتى نصل لمقابر العائلة، ويبدؤون في إنزالي بحنو ورقة لم أشهدها في حياتي قط (ربما نسيت أن أخبركم أني الزبون ونجم الحفل.. أنا الميت)!! لعل الحنو لإدراكهم أنها ليلة عصيبة على أهلها، يبدؤون بإهالة التراب علي فتغيب الرؤية تدريجيا وأرى حبات التراب تتراكم في عيني، ويحل الظلام، إنها لحظة الحقيقة، لحظة الخوف، ترى هل كانت اختياراتي صحيحة؟
و.. من هذان القادمان من بعيد؟!



