بهو الإنتظار

د. محمد الدفراوي
في بهو الانتظار بعيادة الطبيب، أخذ دوره وسط نظرات الجالسين العشوائية التي تشيعه حيث جلس، فقد جاء يرمم من نفسه ما أوهته الحياة، لا أن يقع فريسة لنظرة، حاول الهروب من ملاحقتهم، واضعا رأسه بين كفيه ، يمد النظر الي موضع سجدته، انصت لصوت الصمت في نفسه، أهمل ضجيجا من عيون الآخرين، ارسل بعض نظرات منكسرة يطالع بها الناس، فقد عشق النظر اليهم الا اللحظة؛ فلا يطيقهم ولا يرضى عنهم، شعر بأنهم يفرطون في التلصص عليه، ارتجف من شدة وجله وارتيابه، خشي كل فارغ، فلا شيء يطارد من يزعم أنه مطارد، لم يكن يشعر بالراحة إن راقبه احد كمتهم، ولا يستطيع الدفاع.
لا يدري احد ما اعتمل في فكره.. ولن يميط اللثام عنه برغم طبيعته الصريحة.. القلق أنشب مخالبه في نفسه ينهشه نهش الفريسة.
بحث في نفسه عن مخرج من هذا المأزق.
بطنه يقرقر، ورأسه يغلي، وتلوى من شدة ألم لم يعرف له سببا. حاول ان يتذكر كل ما نزل جوفه من طعام وشراب دون جدوى، آلامه تأتي في غير موعد، تشبث بمكانه مخافة ان يخليه؛ فالبهو مكتظ، ليس في استطاعته أن يتخذ قرار التخلي عن مكانه وان يتحمل قرقرته ولا قلقه المفاجئ او ان يواجه عسعسة العيون. أعجزه التشتت عن مجابهة هواجسه البركانية، قبض على أصابعه، طقطقت اسنانه من الكز، أوجد العزيمة في نفسه؛ قرر ان يتحمل قلقه وألمه مهما تكلف من نفسه.
النظرات ما زالت تلاحقه فتزيد نوبات ألمه؛ تفصد عرقه، بدت ذاكرته اشد ضحالة، فلا يعرف احدا أو ان احدا لا يعرفه، بلغ منه السوء مداه، بالغ في عدم الاهتمام بما يدور بداخله، راض نفسه على ما لا يتحمله، أن لا ينشغل بنظرة بلهاء أو ألم أجوف.. مرت الدقائق في الانتظار كساعات يستعجلها ولا تسعفه، ود لو انفضت جلسته علي أي شكل؛ فيخلو له التلوي والوحدة. يريحه ان يبقى بعيدا عن الناس ، كتب في محرك البحث جوجل علي امل العثور علي اجابة شافية لما يعانيه من قلق لعله يظفر بجواب ، بدا كمن دخل متاهة لايعرف اولها من اخرها ، تاه في زحمة ما قرا من شرح ، لم يكن يدرك ان الامر سيمر كما مر من قبل ان تجلد .
مارس كل طقوس التلهي ، يقتل بها بطء الوقت او يهدئ نبض قلبه المتصاعد ، مرتبكا من داخله تتقاذفه افكار سوداء تأتيه من هنا و هناك حاول الامساك بها عبثا ؛ كانت اكبر من ان يخمد صوتها بضعف عزمه الخائر ما بعده خائر .. طالع الساعة فتخيل الوقت لا يمر ، عض على شفتيه ، ذهنه بالكاد يركز .. تولت نفسه زمام إدارة المأزق.
ارتفع صوت انفاسه ، تصهدت حرارة جسمه .. كره نفسه كراهية تدفعه لأن يتمني موت الأنتظار او أن يفوز بلقاء الطبيب.
لا انتقاء لمضطر .
سمع التمرجي يرفع اسمه في البهو .



