النسخة الرقميةثقافية
إنســــان فرانكنشتايــــن

وليد غالب
تفتح ماري شيلي روايتها فرانكنشتاين بالأسطر الآتية «بينما كنت واقفاً على متن السفينة أتأمل الأرض الجليدية من حولي شعرت ببرد الريح القطبية ينخر عظامي، كنت في منطقة القطب الشمالي، أخيراً تحقق حلم حياتي بالمجيء إلى هنا، ولكن ما الثمن الذي تكبدته أنا ورجالي لتحقيق هذا الحلم؟ علقت سفينتنا وسط الجليد، ولم نعلم أ تُكتب لنا النجاة أم سنموت؟». هذه هي نقطة الرواية المهمَّة وسؤالها الأبرز، أننجو من هذه المغامرة أم نخسر ونعود خائبين؟، أعني مغامرة وولع إنسان القرن التاسع عشر في الإستكشاف ـ الأراضي.. الأفكار.. الاختراعات ـ وما الثمن الذي دفعته البشرية بعد هذه القفزة الفكرية العلمية؟.كتبت ماري شيلي روايتها بعمر العشرين، في عام 1818، ويبدو أن لا أحد يأخذ على محمل الجد، كلاماً من كان بهذا السن الصغيرة، الدكتور نبيل راغب في كتابه «المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية» يصف رواية ماري شيلي «ومن الناس الذين برعوا واُشتهروا بهذا المفهوم الخرافي مسز شيلي التي إبتكرت شخصية فرانكشتاين العالم المرعب الذي انتزع شخصية خرافية مدمرة لكي يحقق بها أغراضه الشريرة في هذا العالم».
بغض النظر عن سوء فهم الناقد المصري لفكرة رواية فرانكنشتاين، إلا أنه مسخها وحرّفها بشكل لا يُصدّق، فأساساً لا رغبة شريرة عند فرانكنشتاين للسيطرة على العالم.
افتتاحية الرواية تتحدث عن بحّار يحاول الوصول للقطب الشمالي، برغبة محمومة لإكتشاف مناطق جديدة لا غير، ورؤية أرض «لم تطأها قدم إنسان من قبل» في حين كان الدكتور فرانكنشتاين يقول «أنا دكتور فرانكنشتاين سوف أكشف حقيقة أعظم أسرار العالم». كان الاندفاع للإكتشاف سمة العصر في ذاك الوقت، زمن كتابة الرواية في القرن التاسع عشر.
بدأت الرواية من نهاية حدثين، روبرت والتون قبطان السفينة العالقة في جليد القطب الشمالي يصف فشله «شعرتُ بحماقتي، إذ فشلت الرحلة فشلاً ذريعاً». في المقابل يتحدث الطبيب فرانكنشتاين عن فشله في تجربته العلمية، لأنه بدلاً من أن يصنع بالطرق العلمية شيئاً مفيداً «سأقدم للعلم أعظم الخدمات إذا صنعت إنساناً» صنع بشكل غير متعمّد «المسخ».
أشارت ماري شيلي في رواية فرانكنشتاين بذكاء كبير، لحدثين لم تتمكن ـ أو بالأصح لم تنجح ـ البشرية من الوصول إليهما، فلا سفينة لغاية عام 2018 استكشفت القطب الشمالي، ولم يستطع الطب خلق إنسان حتى الآن. ويبدو أن شيلي نجحت في توقعاتها بصعوبة حدوث ذلك برغم استمرار التقدم العلمي.
لا يبدو سؤال ما الذي حدث في القرن التاسع عشر جيدا؟، السؤال الأفضل هو: ما الذي لم يحدث للإنسان في هذا القرن العجيب؟!
بمراجعة ما حدث في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، نجد أن أوروبا قد قفزت بالإنسان قفزة مهولة نحو التحرر من الفكر الديني المسيحي «لم يكن أحد يتصور أن البنيان الضخم والراسخ للأصولية المسيحية سوف يترنّح على وقع الضربات الفلسفية، ثم ينهار ويتهاوى في نهاية المطاف» كما يقول هاشم صالح في كتاب «مدخل الى التنوير الأوروبي». يُضيف صالح «بلغ الإيمان بالتقدم ذروته في القرن التاسع عشر، عصر ازدهار العلم والصناعة والتكنولوجيا بامتياز»، تخبرنا شيلي في روايتها على لسان استاذ الكيمياء والدمان أن «هناك تطوراً هائلاً يتحقق، فبمساعدة المايكروسكوب يستطيع العلماء المعاصرون أن يروا عالماً لم نكد نعلم بوجوده قبل اليوم». تضيف «إن الإمكانيات التي تمتلكها العلوم اليوم غير محدودة، مثل العقول التي تسعى وراءها».
لكن ما فعلته الفلسفة والعلوم التي تحررت من سلطة الدين، هو إنها جعلت إنسان القرن التاسع عشر بلا أمل، فبعد أن كان يعتقد أنه في النهاية سيجد من يُعيد إليه الحق، أو باحتمال آخر يعوّضه عن معاناة «الحياة الدنيا» ، وجد الإنسان نفسه ـ بقدوم دارون مثلاً ـ مخلوقاً عادياً مثل بقية المخلوقات، مجرّداً من كل قيمته السابقة. لم تصنعهُ يدا الله، وإنما تطوّر بشكل طبيعي بلا أي امتياز عن باقي المخلوقات، حتى أنه من الممكن أن يُصنع ـ كما في الرواية ـ مثل أي مُنتج آخر.
لم يكن هدف فلاسفة وعلماء القرن التاسع عشر سيئاً، كان هدفهم تنوير الإنسان وتخليصه من قمع السلطة الدينية الفكري والمادي والثقافي، كانوا يريدون خلق إنسان متحرر، لكن يبدو أن الواقع تحول بشكل آخر، وسيئ أيضاً، تماماً كما لم يكن قصد فيكتور فرانكنشتاين خلق مسخ «لقد اخترت أعضاء جسمه بعناية بالغة، لكن الأمر تحول إلى كارثة».
في كتاب «كُتب تحترق» ينقل لوسيان بولاسترون نصاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين «لقد وجدنا عالمنا منذ مدة وجيزة عالماً آخر، ليس أقل حجماً وانبساطاً واتساعاً منه، إنه عالم جديد وهو ما يزال صبياً لدرجة أنه يتم تعليمه الألف باء، ولجلّ ما أخشاه أن نكون قد عجّلنا في انحطاطه وخرابه بوبائنا وبعناه بسعر باهظ جداً أفكارنا وفنوننا». كانت هذه نبوءة قديمة لما ستؤول إليه أمور البشرية.
كيف نتخيل وقع قرن مرّ على الإنسان ـ بعد قرون من الجمود والاستبداد الفكري ـ ظهر فيه هيغل وفويرباخ وماركس وانجلز وجون ستيوارت مل وهايدغر وشوبنهاور ونيتشه. قرن داروين وفرويد ولويس باستور وروبرت كوخ ومندل.
قرن الحروب الأهلية الأميركية 1861، وخوف الطبقة المثقفة وتنبؤاتها من نشوء حرب عالمية أوروبية، فالحرب كما يشير الفيلسوف توماس هوبز «لا تتكون من المعارك فحسب ولا من الأعمال القتالية، بل من مدة زمنية تكون فيها الإرادة لخوض المعركة قائمة ومعروفة بما فيه الكفاية». فنجد أن فيلسوفاً مثل نيتشه يتكهن بنشوب الحرب «سنقول نعم للبرابرة وحتى للحيوان المتوحش الحبيس في نفوسنا».
لقد تحطم الإنسان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعد الحربين العالميتين، وانتشرت العدمية والتشاؤم بشكل كبير، وتشظى كما تشظت شجرة البلوط التي شاهدها فرانكنشتاين بعد أن صعقها البرق «كان كل ما وجدته هو جذعاً محترقاً وقطع خشب متناثرة في كل مكان».
لم يعد الإنسان يؤمن بقدرة العلم على خلق عالم جديد جيد، يذكر المؤرخ الإنكليزي إيريك هوبزباوم في كتاب عصر الإمبراطورية: «لقد رفض الايديولوجيون اليساريون النسبية، لأنها لم تكن تتناسب مع تصورهم للعلم، بينما ندد اليمينيون بها بعدّها بدعة يهودية، وباختصار فإن العلم لم يعد شيئاً لا يفهمه إلا القلة القليلة من الناس، بل أصبح أمراً يخالفه الكثير ويعارضونه، فيما كانوا يقرون أن حياتهم كانت تعتمد عليه».
لقد تحول الإنسان من السعي لإكتشاف الأفكار والعلوم إلى عدمية قاتلة، عام 1881 كتب كارلو كولّودي قصة دمية خشبية تتحول في الأخير لصبي، يلتقي بينوكيو بسمكة فيلسوفة، بعد أن يبتلعمها القرش، فيسألها: ماذا علينا أن نفعل في هذا الظلام هنا؟
تُجيب السمكة: أن نستسلم، وأن ننتظر ريثما يهضمنا القرش.
يبدو أن هذا هو شكلنا الإنساني الأخير، المُستسلم الذي ينتظر، كما تنتظر السمكة الهضم في بطن القرش، أو كما ينتظر استراجون وفلاديمير مجيء غودو.
بغض النظر عن سوء فهم الناقد المصري لفكرة رواية فرانكنشتاين، إلا أنه مسخها وحرّفها بشكل لا يُصدّق، فأساساً لا رغبة شريرة عند فرانكنشتاين للسيطرة على العالم.
افتتاحية الرواية تتحدث عن بحّار يحاول الوصول للقطب الشمالي، برغبة محمومة لإكتشاف مناطق جديدة لا غير، ورؤية أرض «لم تطأها قدم إنسان من قبل» في حين كان الدكتور فرانكنشتاين يقول «أنا دكتور فرانكنشتاين سوف أكشف حقيقة أعظم أسرار العالم». كان الاندفاع للإكتشاف سمة العصر في ذاك الوقت، زمن كتابة الرواية في القرن التاسع عشر.
بدأت الرواية من نهاية حدثين، روبرت والتون قبطان السفينة العالقة في جليد القطب الشمالي يصف فشله «شعرتُ بحماقتي، إذ فشلت الرحلة فشلاً ذريعاً». في المقابل يتحدث الطبيب فرانكنشتاين عن فشله في تجربته العلمية، لأنه بدلاً من أن يصنع بالطرق العلمية شيئاً مفيداً «سأقدم للعلم أعظم الخدمات إذا صنعت إنساناً» صنع بشكل غير متعمّد «المسخ».
أشارت ماري شيلي في رواية فرانكنشتاين بذكاء كبير، لحدثين لم تتمكن ـ أو بالأصح لم تنجح ـ البشرية من الوصول إليهما، فلا سفينة لغاية عام 2018 استكشفت القطب الشمالي، ولم يستطع الطب خلق إنسان حتى الآن. ويبدو أن شيلي نجحت في توقعاتها بصعوبة حدوث ذلك برغم استمرار التقدم العلمي.
لا يبدو سؤال ما الذي حدث في القرن التاسع عشر جيدا؟، السؤال الأفضل هو: ما الذي لم يحدث للإنسان في هذا القرن العجيب؟!
بمراجعة ما حدث في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، نجد أن أوروبا قد قفزت بالإنسان قفزة مهولة نحو التحرر من الفكر الديني المسيحي «لم يكن أحد يتصور أن البنيان الضخم والراسخ للأصولية المسيحية سوف يترنّح على وقع الضربات الفلسفية، ثم ينهار ويتهاوى في نهاية المطاف» كما يقول هاشم صالح في كتاب «مدخل الى التنوير الأوروبي». يُضيف صالح «بلغ الإيمان بالتقدم ذروته في القرن التاسع عشر، عصر ازدهار العلم والصناعة والتكنولوجيا بامتياز»، تخبرنا شيلي في روايتها على لسان استاذ الكيمياء والدمان أن «هناك تطوراً هائلاً يتحقق، فبمساعدة المايكروسكوب يستطيع العلماء المعاصرون أن يروا عالماً لم نكد نعلم بوجوده قبل اليوم». تضيف «إن الإمكانيات التي تمتلكها العلوم اليوم غير محدودة، مثل العقول التي تسعى وراءها».
لكن ما فعلته الفلسفة والعلوم التي تحررت من سلطة الدين، هو إنها جعلت إنسان القرن التاسع عشر بلا أمل، فبعد أن كان يعتقد أنه في النهاية سيجد من يُعيد إليه الحق، أو باحتمال آخر يعوّضه عن معاناة «الحياة الدنيا» ، وجد الإنسان نفسه ـ بقدوم دارون مثلاً ـ مخلوقاً عادياً مثل بقية المخلوقات، مجرّداً من كل قيمته السابقة. لم تصنعهُ يدا الله، وإنما تطوّر بشكل طبيعي بلا أي امتياز عن باقي المخلوقات، حتى أنه من الممكن أن يُصنع ـ كما في الرواية ـ مثل أي مُنتج آخر.
لم يكن هدف فلاسفة وعلماء القرن التاسع عشر سيئاً، كان هدفهم تنوير الإنسان وتخليصه من قمع السلطة الدينية الفكري والمادي والثقافي، كانوا يريدون خلق إنسان متحرر، لكن يبدو أن الواقع تحول بشكل آخر، وسيئ أيضاً، تماماً كما لم يكن قصد فيكتور فرانكنشتاين خلق مسخ «لقد اخترت أعضاء جسمه بعناية بالغة، لكن الأمر تحول إلى كارثة».
في كتاب «كُتب تحترق» ينقل لوسيان بولاسترون نصاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين «لقد وجدنا عالمنا منذ مدة وجيزة عالماً آخر، ليس أقل حجماً وانبساطاً واتساعاً منه، إنه عالم جديد وهو ما يزال صبياً لدرجة أنه يتم تعليمه الألف باء، ولجلّ ما أخشاه أن نكون قد عجّلنا في انحطاطه وخرابه بوبائنا وبعناه بسعر باهظ جداً أفكارنا وفنوننا». كانت هذه نبوءة قديمة لما ستؤول إليه أمور البشرية.
كيف نتخيل وقع قرن مرّ على الإنسان ـ بعد قرون من الجمود والاستبداد الفكري ـ ظهر فيه هيغل وفويرباخ وماركس وانجلز وجون ستيوارت مل وهايدغر وشوبنهاور ونيتشه. قرن داروين وفرويد ولويس باستور وروبرت كوخ ومندل.
قرن الحروب الأهلية الأميركية 1861، وخوف الطبقة المثقفة وتنبؤاتها من نشوء حرب عالمية أوروبية، فالحرب كما يشير الفيلسوف توماس هوبز «لا تتكون من المعارك فحسب ولا من الأعمال القتالية، بل من مدة زمنية تكون فيها الإرادة لخوض المعركة قائمة ومعروفة بما فيه الكفاية». فنجد أن فيلسوفاً مثل نيتشه يتكهن بنشوب الحرب «سنقول نعم للبرابرة وحتى للحيوان المتوحش الحبيس في نفوسنا».
لقد تحطم الإنسان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعد الحربين العالميتين، وانتشرت العدمية والتشاؤم بشكل كبير، وتشظى كما تشظت شجرة البلوط التي شاهدها فرانكنشتاين بعد أن صعقها البرق «كان كل ما وجدته هو جذعاً محترقاً وقطع خشب متناثرة في كل مكان».
لم يعد الإنسان يؤمن بقدرة العلم على خلق عالم جديد جيد، يذكر المؤرخ الإنكليزي إيريك هوبزباوم في كتاب عصر الإمبراطورية: «لقد رفض الايديولوجيون اليساريون النسبية، لأنها لم تكن تتناسب مع تصورهم للعلم، بينما ندد اليمينيون بها بعدّها بدعة يهودية، وباختصار فإن العلم لم يعد شيئاً لا يفهمه إلا القلة القليلة من الناس، بل أصبح أمراً يخالفه الكثير ويعارضونه، فيما كانوا يقرون أن حياتهم كانت تعتمد عليه».
لقد تحول الإنسان من السعي لإكتشاف الأفكار والعلوم إلى عدمية قاتلة، عام 1881 كتب كارلو كولّودي قصة دمية خشبية تتحول في الأخير لصبي، يلتقي بينوكيو بسمكة فيلسوفة، بعد أن يبتلعمها القرش، فيسألها: ماذا علينا أن نفعل في هذا الظلام هنا؟
تُجيب السمكة: أن نستسلم، وأن ننتظر ريثما يهضمنا القرش.
يبدو أن هذا هو شكلنا الإنساني الأخير، المُستسلم الذي ينتظر، كما تنتظر السمكة الهضم في بطن القرش، أو كما ينتظر استراجون وفلاديمير مجيء غودو.



