مصطفى زكي ـ مصر

بخداعٍ أقل
كان حيز الحلم متوازيا تماما مع حيز الرحيل.. اتسعت المسافة بين نبضتين في قلبه حينما اسكنته فسيح روحها.. أشارت الى النور فكان.. وغنت على الجرح فترهبن.. قرأ على نفسه ما تيسر من ذلك المعزوف النوراني العذب فاشتعلت جداول ذاكرته بردا وسلاما.. روضة تحتضن وجوده ثم تقذف به الى عوالم متعانقة عذاباتها.
كان يعلم أنها القادرة على امتصاصه من عطشه.. وأنها تؤدي الى نفسه بهدير نافذ وباعث على عطش متجدد ووحيد.. لكنه لم يدرك ابدا متى تصدع عنها.. أو كيف تخلت عن خمولها فيه لتجذبه مشدوها الى حممها وحميميتها؟.
استدعته رجفة الى قلق السؤال.. اتكأ على أحزانه متأهبا لما تفضي إليه محاولة الإجابة من أسئلة اكثر غموضا.. وتوهجا.
زاغت أحاسيسه وغاب عنه شغف الوصول فبدأ في مهادنة نفسه:
1
لا بدَّ أن تكون ليليا أكثر..
لتستطيع مواجهة انكساراتك النهارية..
بخداع أقل.
2
قبل أن تتوسّد همومك
وتبدأ فى مراوغة أشباحك الضالة..
عليك ان تختبر روحك بما أوتيت من دفء
لتعلم ان ثمة شبحا وحيدا
يدرك الاتجاهات جيدا
وقتها لن تجد أمامك حتما
سوى أن ترفع عنك غطاء روحك
لتكشف له عن رغبتك في مهادنته.
ـ ـ
أبدو طبيعياً !
عندما تمرُّ السنون في كفي احتراقًا للشهيق.. تطل جروحى على أحزان الأمس الفولاذية.. خبرتني العرافة أن لي طفلا جميلا من امرأة لا أحبها.. وأن تسعة وتسعين اسما في كفيّ للهزيمة.. كنت قد رأيت في كف الحبيبة خمسا وعشرين وردةً.. وأكدت لي أن في جبهتي مثلها انتفاضات.. علقت نفسي بذاكرة الشمس بضع سنين.. واكتست بدهشتي عذوبةً وصفاء.
كنا في طريقنا ليبدأ كل منا وحدته في يوم الأحد.. الآحاد لم تكن متشابهة.. تلك الجديدة دائما صنعت دهشةً لازمت حكاياتي عن العمل.. وزملاء العمل.. ورئيس العمل.. وعمل أخوات كان.. ومتى يكون اسم المفعول عاملًا..
لدغةٌ باغتتنى.. حين رأيت بقعة من ماء تحت قدمي في لحظة وداع.. سقطت من رأسي نظرات الحبيبة.. قدمي طالها الماء..
علمني أبي أن الله يعطي من يشاء بغير حساب.. قدمٌ في الماء والأخرى على مسافة بضيق الحلم.. أكد لي أخي أن الحلم قابل للتحقق.. وأوصاني بالحلم ما دمت حيًا.. قدمٌ في الطين.. والأخرى في الفراغ.. علمتني عينا الحبيبة أن أحب بغير حساب.. قدماي طالهما الماء ورأسي دوائر من فراغ.. أخبرتني العرافة أن الحلم عقيم.. وأن الزمن يهب من يشاء غناءاً.. ويجعل من يشاء حالمًا.
خاصمت نفسي وصافحتها.. ثم عدت إليها وفارقتها.. حاصرت رأسي دوائر الفراغ:
1
صوت المنبه يلازم ذلك الانكسار الصباحي الصموت.. لم أعد أتذكر أحلاما أو كوابيس.. أثناء بضع ثوانٍ أمام المرآة.
2
عشرات الأخبار عن التعليم والصحة والمشروعات الجديدة.. ثم طريق أسود طويل.. يسحب من تحتي بسرعة 80 كيلواً في الساعة.. مع أغنيات من نوعية «البعيد عنك قريب».
ـ على الهامش.. كانت طلقات نارية.. وأفرول.. ومشكلات بيضاء ذات أبعاد طفولية.. وأحلام عاريةً تحت أقدام العابرين.



