لماذا نهدم أحبَّ بنيان عند الله ؟!
السيد عباس نورالدين
ليس الزواج ظاهرة عادية في الحياة البشرية، وإن كان شائعا جدّا وسهل التحقّق..يظن أكثر الذين يدخلون في هذه التجربة أنّه يكفي وجود القدرة على التزاوج وتأمين مستلزمات العيش حتى يتحقّق الزواج بمعناه الحقيقيّ أو بالمعنى الذي أراده الخالق الموجد لهذه الظاهرة العجيبة. إنّ التأمل في وقائع الزواج، يجعلنا ندرك أنّ هناك ما هو أبعد بكثير ممّا تستطيع قدراتنا الذهنية والفكرية والعلمية على إدراكه..ويصرّح القرآن الكريم بأنّ المتّقين يدخلون الجنّة هم وأزواجهم:{الَّذينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمين * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُون}.وفي الوقت نفسه، فإنّ دخول الجنّة يحصل بعد تعطيل كل المعاشرات {وإذا العشار عطّلت}.ثمّ نجد أنّ الروايات وكذلك الأدلة العقلية تؤكّد أنّ كل ما يتمنّاه الإنسان ويحتاج إليه ويستلذُّ به هناك إنّما يمكنه الحصول عليه من دون أن يكون محتاجا إلى غيره: {لَهُمْ فيها ما يَشاؤوُنَ خالِدينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدا مَسْؤُولًا}.فحتى الإنجاب، الذي يُعدّ أحد أهم ثمار الزواج في الدنيا يتحقّق لأهل الجنّة بمجرّد الإرادة؛ ولا حاجة لعملية التزاوج البيولوجيّة المعهودة في عالمنا. بل إنّ هذا النظام البيولوجيّ المادّي نفسه يتطوّر إلى الدرجة التي يحقّق للإنسان كل ما يمتّعه ويحفظه ويبقيه ويسعده، من دون أن يعاني من نقائص ومتاعب النظام الأرضي المصاحب بأنواع العناء والألم والمنفّرات والموانع. إنّ إنسان الجنّة هو إنسانٌ مستغنٍ عن كل ما سوى الله، بل هو مظهر الغنيّ المطلق؛ ينال كل ما يريده بكلمة كن، كما روى الإمام الخميني (قدس سره) في كتاب معراج السالكين الحديث القدسي: «من الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوْتُ إِلَىْ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوْتُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُوْن وَقَدْ جَعَلْتُكَ تَقُوْلُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُوْن، فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ: فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ لِلشَّيْءِ كُنْ إِلّا وَيَكُوْن»..أهذا يعني أنّ لدينا زواجين، زواجٌ دنيويّ وزواجٌ أخرويّ؟ أم يمكن القول إنّ للإنسان الفرصة ليجعل زواجه الدنيويّ زواجا أخرويًّا، كما ينبغي أن يفعل بشأن كل شؤونه في هذا العالم الأرضيّ؟ ولعلّ الجواب المباشر عن هذا السؤال هو ما عبّر عنه هذا الإمام نفسه حين قال: «إنّ الأنبياء قد جاؤوا ليرشدونا إلى كيفية جعل دنيانا آخرة». إنّ القضية المهمّة هنا هي أنّ التمتّع المادّي نفسه لا يمكن أن يدوم للإنسان وينحفظ ويرتقي ما لم يتّخذ وجهة الآخرة. فلا يوجد فصل تام بين الدنيا والآخرة، وإن كنّا نظن ذلك. وكل من أراد أن يجعل زواجه ناجحا بمعايير الدنيا، فعليه أن يجعل وجهته فيه نحو تحقيق الزواج الأخرويّ..وإنّ إحدى أكبر مشاكلنا كبشر تكمن في اعتدادنا بأنفسنا إلى الحدّ الذي نستغني به عن الوحي الإلهيّ؛ وذلك حين نظن أنّنا محيطون بهذه الظاهرة أو تلك. ولأنّ الزواج ظاهرة فردية (وإن كانت آثاره الاجتماعية بارزة)، ولأنّ أكثر زيجات العالم تجري وفق الاختيار التام للزوج والزوجة، فلعلّ هذا ما يجعلنا نشعر بأنّنا قادرون على الإلمام والإحاطة التامّة به وهنا يكمن مقتلنا.
إنّ توجيه الزواج نحو حقيقته الأخرويّة هو المسؤوليّة الأولى التي تقع على عاتق الزوجين، حيث ينبغي أن يتعرّفا إلى مستلزمات تحقيق ذلك بدءا من هذا العالم. ولا شك بأنّ الزواج الأخرويّ هو الذي يحكي عن ذلك الاتّحاد الروحيّ الذي تزول فيه كل ضغينة وغلّ. وقد يتطلّب مثل هذا التوفيق تحمّل الأذى الشديد من الزوج، والذي يحصل نتيجة التباين الروحيّ في هذه الدنيا. فإمّا أن ينتهي الزواج الصعب هذا بالاتّحاد في الدنيا، بعد كل ذلك الصراع والعراك (كأن يرضى كلّ طرف عن الآخر)، وإمّا أن يحصل الافتراق الكلّيّ عنده..لقد أقام الله الزواج الأرضي على قيم دينه، وصانه بحمى شريعة الإسلام، لأجل تسهيل التسليم فيه علينا؛ ومع ذلك نصر على فرض شروطنا ورؤيتنا باعتبار أنّ أحكام الله وقوانينه لا تعدو أن تكون مجرّد قواعد للاشتباك. وحين ينفض الاشتباك أو لا يكون، فلنا الحق أن نفرض ما نشاء..قال الله تعالى : {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون}.



