الصبرُ والظَّفَرُ.. على نهجِ أهلِ البيتِ عليهم السلام

ليس الصبرُ في ثقافةِ أهلِ البيتِ عليهم السلام حالةَ خضوعٍ أو استسلام، ولا هو انكسارُ الضعيفِ أمامَ شدائدِ الحياة؛ بل هو موقفُ المؤمنِ الواعي الذي يرى في البلاءِ ميدانًا للثبات، وفي المحنةِ طريقًا إلى النصرِ والكرامة. فالصبرُ عندهم ليس جمودًا، بل قوّةٌ تضبطُ الانفعال، وتمنعُ السقوط، وتحفظُ البصيرةَ حيّةً وسطَ العواصف.
وقد أكّد أميرُ المؤمنين عليٌّ عليه السلام هذه الحقيقة حين قال: «أيُّها الناسُ عليكم بالصبرِ فإنَّه لا دينَ لمن لا صبرَ له»، لأنَّ الإنسانَ قد يملكُ المعرفةَ والشعارات، لكنَّه إذا انهارَ عندَ البلاءِ سقطَ إيمانُهُ عندَ أوّلِ امتحان. فالصبرُ هو الذي يحفظُ العقيدةَ حيّةً في القلوب، ويجعلُ المؤمنَ ثابتًا حين تضطربُ النفوسُ وتضعفُ الإرادات.
وقد عاشَ أهلُ البيتِ عليهم السلام أشدَّ أنواعِ الحروبِ والظلامات، لكنّهم علَّموا الناسَ أنَّ النصرَ لا يُقاسُ بلحظةٍ عابرة، ولا بميزانِ المادّةِ وحدها، بل بقدرةِ الإنسانِ على الثباتِ على الحقّ مهما اشتدَّتِ المحن. ولهذا قال أميرُ المؤمنين عليه السلام أيضًا: «الصبرُ أحسنُ خَلَلِ الإيمانِ وأشرفُ خلائقِ الإنسان»، فبه يسمو الإنسانُ فوقَ خوفِه، ويغلبُ ضعفه، ويصيرُ أهلًا لحملِ الرسالةِ ومواجهةِ الطغيان.
وفي زمنِ الحروب، يحاولُ العدوُّ أن يهزمَ القلوبَ قبلَ الجبهات، وأن يزرعَ اليأسَ والخوفَ والتعبَ في النفوس، لكنَّ مدرسةَ كربلاء علّمتنا أنَّ الصابرَ لا يُهزم، وأنَّ الدمَ إذا اقترنَ بالبصيرةِ يصنعُ مستقبلَ الأمم. فالإمامُ الحسينُ عليه السلام لم يكن يملكُ كثرةَ العددِ والعدّة، لكنّه امتلكَ اليقينَ والثبات، فتحوّلَ صبرُه إلى ظفرٍ خالدٍ عبرَ التاريخ.



