النسخة الرقمية

الإمام الحسين «عليه السلام» وارث الأنبياء «عليهم السلام»

ورث الإمام الحسين عليه السلام من إبراهيم الخليليّة، وصلابة الموقف..فكما واجه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام الناس الذين ركنوا إلى نمرود، واتّبعوا الكواكب الآفلة، واجه الإمام الحسين عليه السلام الذين اتّبعوا نمرود عصرهم، وعبدوا كواكب الدنيا الزائلة، وتلك الكلمة التي قالها إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً…﴾(العنكبوت: 17)، ردَّد معناها الحسين عليه السلام حينما وصف واقع الناس: «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم»..وكما ورث من إبراهيم عليه السلام المحاججة، التي حينما وصلت إلى حائط مسدود، كادَ أصنامهم، فعمدوا إلى إحراقه بنار كانت برداً وسلاماً عليه، وكذلك الإمام الحسين عليه السلام، عندما وصل إلى المواجهة حطّم صنميّة النفوس بفأس الشهادة، فعمدوا إلى قتله وأهل بيته بنار القتل والسبي، فاستحالت برداً وسلاماً على الإسلام وحماته، وعلى زينب وموكب الإباء الخالد، وحلّت حقيقة: «يا نار كوني برداً وسلاماً» على العترة، والإسلام.
وورث منه الهجرة الإبراهيميّة، التي ذابت في الله تعالى حتّى بلغت مقام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، ووصلت إلى الوادي القاحل، الذي صار مهوى الأفئدة والنفوس الموحّدة ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37)؛ حيث انطلق الحسين عليه السلام بهجرة الجهاد والشهادة، من مكّة إلى المدينة فكربلاء، التي استحال واديها مهوى للأفئدة، والنفوس الوالهة بحبّ الحسين عليه السلام.
كما ورث منه فداء الذبح، حيث يقول تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102)، وفي ذلك لحن مقالة الحسين عليه السلام للقاسم بن الحسن، حينما سأله: «يا بنيّ كيف الموت عندك؟» وإيقاع جواب القاسم حينما قال:»يا عم أحلى من العسل».وقد تحقّق الفناء الإبراهيميّ الإسماعيليّ لحظة حلول حقيقة﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾(الصافات: 103)، وتحقّق الفداء، بقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 107). أمّا فناء الحسين وأهله وأصحابه في الله، فقد تحقّق حينما استعدّ الجميع للشهادة ودخلوا في المعركة الأخيرة. أمّا الفداء فكان ذبح الحسين عليه السلام، ولم يكن المفدّى سوى الإسلام العظيم..وورث الإمام الحسين عليه السلام من موسى النبيّ عليه السلام الخروج الحذر؛ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 21)..وورث منه الذهاب إلى أبعد الحدود لمواجهة الطغيان والمبادرة ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (طه: 43). وكما قاد موسى عليه السلام قومه من براثن الظلم والمهانة، أخرج الحسين قومه، من ظلمات الفسق، والطغيان، وفلق بحر «الأمر الواقع» الذي عاكس حركة الهداية، بعصا الشهادة التي عبّدت الطريق للعبور الآمن..وبهذه الوراثة، غدا الحسين عليه السلام مصباحاً للهدى وسفينة للنجاة، سفينة لا يقوى على ركوبها إلّا أولئك الذين رأوا الحسين امتداداً لتاريخ النبوّة، ومنهج الأولياء، ففتحوا قلوبهم ووطّنوا نفوسهم لاستلهام العِبَر والقيم المتصلة بعراقة التوحيد، وأصالة الفداء، على مذبح الدعوة إلى الإله الواحد..وبالثقل الحسينيّ الموروث، تمهّد الأجيال الحرّة لإمام العدل المنتظر الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وسيعيد إحياء الموروثات النبويّة، وتجسيد القيامة الحسينيّة الخالدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى