النسخة الرقمية

كتمان السرّ

تتأثّر النفس بأعمال الإنسان وتؤثّر فيها، فإذا عمل المرء عملاً حسناً، استنارت نفسه وتكاملت وازدادت هدى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69). وإذا عمل عملاً قبيحاً، تكدّرت نفسه وتسافلت. وكتمان السرّ يُغذّي صفّة الإيمان ويزيدها، كما عن الإمام الرضا عليه السلام: «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنَّة من ربّه، وسنَّة من نبيّه، وسنَّة من وليّه، فالسنَّة من ربّه كتمان سرّه، قال الله -عزَّ و جلَّ-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 26-27)…»..»من كتم سرّه كانت الخيرة بيده»، كما عن الإمام الصادق عليه السلام. والخيرة هي الاختيار الذي كرّم الله تعالى به الإنسان. فمن حفظ سرّه وخططه ومشاريعه كان مطمئناً من تدخل الآخرين فيها أو إفشالها. فإن كشفها، خرجت القدرة من يده على التحكّم بالسرّ وبمشاريعه؛ فالصديق يشيعه، والعدوّ يستغله لهزيمته أو القضاء عليه؛ فيسلب الاختيار والتحكّم بالأمور. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: «الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار».فإذا تدبّر الإنسان وجال بين الآراء اتّخذ الرأي السديد، فإن كتمه عن أعدائه، حقّق النصر والظفر والنجاح..فما دام الإنسان كاتماً أسراره بقي مهاباً فارضاً مكانته واحترامه وسلطته، ومنتصراً على عدوّه، يفاجئه ويتحكّم به. فقد روي أنّه كان عند الإمام الصادق عليه السلام أُناس، فتذاكروا الإذاعة، فقال عليه السلام: «احفظ لسانك تعزّ، ولا تمكِّن الناس من قياد رقبتك فتذلّ».. فإنّ النصر إذا تحقّق عزّ الإنسان وساد، ولا يتحقّق النصر إلّا بكتمان الأسرار عن الأصدقاء والأعداء..فالسعادة والسرور هما أمل كلّ إنسان. ولكنّ المانع الأكبر من تحقيق هذا الأمل هو كشف الأسرار. فالإنسان في الدنيا لديه أعداء ومبغضون وحسّاد يسعون لتنغيص عيشه، ومن أجل أن لا يمكنهم من ذلك يجب عليه كتمان أسراره؛ عن الإمام الصادق عليه السلام: «سرّك سرورك إن كتمته، وإن أذعته كان ثبورك».

آثار إفشاء السر

«سرّك أسيرك، فإن أفشيته، صرت أسيره»، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام. فإنّ السرّ إذا بقي مستوراً عن الغير يكون الاختيار والسيطرة عليه بيد الإنسان، أمّا إذا أفشاه، فإنّه سيكون أسير السرّ وأسير أعدائه..وعن الإمام الجواد عليه السلام: «إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له»؛ لأنّ الإنسان إذا كشف خططه قبل الوصول إلى هدفه، فعرفها غرماؤه وأعداؤه سبقوه وسدّوا الطريق عليه، وبالتالي لا يحصد سوى الفشل..وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: «مَن أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان»، وعنه عليه السلام: «من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا»..فعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: «من استفتح نهاره بإذاعة سرِّنا سلّط الله عليه حرَّ الحديد وضيق المحابس»؛ أي يُبتلى بضرب بالحديد فيُقتل أو يُعذَّب أو يُقيَّد به ويُحبس.

بعد كلّ ما ذكر، يكون من العقل والرأي السديد والصحيح والمرضي من الله سبحانه وأوليائه عليهم السلام أن يبتعد الإنسان عن الآثار السيّئة بكتمان سرّه؛ وإذ به يسعى لتحقيق الأهداف والنتائج الحسنة والإلهيّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى