النسخة الرقميةثقافية

أسيل العامري : جائزة نوبل فتحت نافذة للأدب العربي ..و اللغةالعربية محط الاهتمام في المهجر

المراقب العراقي/ دنيا علي الحسني

عندما تهاجر النوارسُ تأخذ معها أشياءَ جميلةً من حكايات بلدانها ، التاريخ اليوم يسجل بصمات انثى متمكنة في تاريخ الثقافة مثالاً للمرأة العراقية المبدعة، د. أسيل العامري إمراة عراقية ولدت في بغداد الحبيبة وعشقت ماءها وترابها وتاريخها ثم هاجرتها جسدا، ولم تهاجرها روحاً فعملت بما تستطيع لإظهار وجهها الوضاء في بلدها الثاني السويد.من خلال تأسيس صرح ثقافي ومطبوع ورقي يحمل اسم «ننار» عملت في الحقل التربوي والإعلامي، منذ ان قدِمت للسويد حصلت على الماجستير من جامعة مالمو في العلوم التربوية والإعلامية، وواصلت دراستها في الدكتوراه في الإعلام الاجتماعي، وعملت استاذة في عدد من الجامعات، اولاها في بغداد، ثم ليبيا وبعدها في الدنمارك.
* ما الأسباب التي تدعو الى تكتل المهاجرين وانغلاقهم على أنفسهم؟
ـ المهاجرون هم افراد وصلوا الى هذه البلاد ليس بمحض ارادتهم بل دفعتهم ظروف قاسية اضطرتهم الى ترك اوطانهم بما فيها من ذكريات واحلام، لينشدوا الامل والسلام والحياة الكريمة. من الناحية النفسية هم يعانون من عقد الخوف والتطبع على آليات فرضتها الحياة السابقة فترى الخوف والتردد وعدم الوثوق بادية لدى الكثير منهم، وهي نقاط تدعو للعزلة والتكتل وعدم الإندماج مع مجتمعات مغايرة في العادات والتقاليد والثقافات فضلا عن انفصالهم عن وسائل اعلام بلدانهم الجديدة وتشبثهم بإعلام بلدانهم التي فروا منها! فبعد إنجازي أطروحة الدكتوراه في الإعلام الاجتماعي بعنوان «الانفصال الإعلامي» التي أجريتها في أوساط المهاجرين العراقيين والعرب في مدينة مالمو السويدية وعلاقتهم بوسائل الاتصال السويدية المقروءة والمسموعة والمرئية، توصلت الى نتائج محزنة بوجود انفصال عال بينهم وبين هذه الوسائل، واقترحت ان يكون هناك مطبوع يسد الفجوة بين المهاجرين وتلك الوسائل الإعلامية، فجاءت مجلة ننار لهذا السبب!
* المجلات الثقافية في العالم العربي تمر بأزمات غير متوقعة، ما رؤيتكِ حول هذه الأزمات التي تمر فيها الحركة الثقافية؟
ـ الصحافة الورقية بشكل عام تلفظ اليوم آخر أنفاسها، إذ بتنا ننعى اكثر الصحف والمجلات الكبيرة يوميا والتي توقف الكثير منها وباتت الصحف الالكترونية هي البديل الاجباري لذلك! غير ان عادات تصفح الكتاب وورائحة الورق لا يمكن مقاومتها لدى الكثير من عشاق القراءة، وهو ربما السر الذي يجعل استمرار المطبوعات الورقية. الازمة لا يمكن تلافيها بسهولة وسط تراجع ملحوظ للثقافة العربية على صعيد النشر والتأليف وعدم رعاية الحكومات العربية المأزومة على الدوام للثقافة اثر كثيرا على المطبوع الثقافي المحلي، وحتى المطبوعات الرصينة باتت تتوجه للثقافة الاستهلاكية والاعلانات كي تحافظ على استمراريتها وهو ما ادى الى تراجعها وربما نهاياتها القريبة. المشاريع الالكترونية هي البديل ومن هنا فان مشروع الثقافة الالكترونية هو الذي سيسود في مجتمعاتنا المتعبة دائما.
* كيف يمكن الحفاظ على الهوية في المجتمعات المغايرة: الفردية، والجماعية، والوطنية؟
ـ اكثر الاشياء عرضة للتغير في المجتمعات المغايرة هو موضوع الهوية! فكل تمظهراتها اللغوية والدينية والاجتماعية عرضة للاختراق والتغيير! فاذا استطعنا نحن الجيل الاول من الحفاظ على بعض مرتكزات الهوية من خلال الاصدارات الثقافية والانشطة اللغوية فان ذلك سيكون في غاية الصعوبة مع الاجيال التي تعقبنا فاطفالنا اليوم يتحدثون بلغات اخرى واهتمامات اخرى. ربما الحنين سيلعب دوراً في تثبيت بعض من عناصر الهوية وحتما الدين سيكون دافعا من نوع اخر للتشبث فيها غير انه دين قشري لا يغور كثيرا في معناه الحقيقي الموجود في بلدان التي هاجروا فيها!
هناك امل واحد فقط في استمرار الهويات الاصلية وعدم اندثارها وهو التفات الدول العربية الى ابنائها من المهاجرين ودعم استمرارية وجودهم من خلال فتح المراكز الثقافية وتغذيتها بالدعم المادي والمعنوي، وهو امل يقترب من ولوج الجمل في سم الخياط!
* هل يوجد في الدول الاوربية، ولا سيما دولة السويد، اهتمام بالتراث الادبي الثقافي العربي لحمايته من الاهمال والاندثار وتقديمه للباحثين والدارسين ولحفظ الهوية العربية في المهجر؟
ـ السويد بلد متعدد الثقافات ويمتاز باحتوائه على الكثير من اللغات, ففي مدينة مالمو توجد اكثر من 180 لغة! بمعنى ان هناك مثل هذا العدد من الثقافات مما عدّته السويد نوعا من القوة التي تمد ثقافتها القومية بمزيد من الانفتاح على بقية الثقافات، فحاولت ان تشرع القوانين الضامنة لاستمرار تدريس اللغات الأم في مدراس الاطفال وتشجيعهم على تعلمها، كي تخلق مجتمعاً ثرياً وقوياً من الناحية الثقافية, فيما يخص الثقافة العربية فقد فتحت جائزة نوبل نافذة على الادب العربي من خلال فوز نجيب محفوظ بها وترجمته الى السويدية وبقية اللغات العالمية، ولوجود جاليات عربية كبيرة في السويد، فان الكثير من المفردات العربية تسللت الى اللغة السويدية وباتت جزءا منها, ويأتي اهتمام السويديين باللغة العربية كونها محوراً سياسياً ساخناً يمكن ان يكون باعثا على انفجار ازمات تولد هجرات كبيرة كما حصل في العقد الاخير حيث استقبلت السويد في عام 2015 اكثر من ثلاثمئة الف مهاجر بسبب الازمة السورية، وصراعات داعش والارهاب الذي اجتاح مناطقنا العربية.
* هل نجحت مجلة «ننار» الثرية في مد جسور التواصل بين المهجرين بمختلف انتماءاتهم وكذلك بينهم وبين سكان البلد المستضيف؟
ـ تضم مؤسسة ننار الثقافية ـ التي انطلقت لتفعيل الحراك الثقافي والاجتماعي للجاليات العربية في السويد ـ في إدارتها مجموعة من الباحثين المتخصصين في علوم الاجتماع والاتصال والفنون والاقتصاد، وتعمل وفق رؤية علمية تعتمد قراءة واقع المهاجرين في السويد وبقية الدول الاسكندنافية وتنظم أنشطة تنموية وبحثية وإعلامية وتدريبية ومن خلال المؤتمرات والندوات وورش التدريب والعمل وحلقات النقاش والإصدارات الإعلامية المختلفة وأعمال الترجمة من والى اللغة السويدية، وإقامة الليالي الثقافية التي تحمل اسم (ليالي ننار الثقافية) والتي نظمنا منها حتى الان اكثر من 52 ليلة ثقافية. فضلاً عن الدورات التدريبية والمحاضرات الاسبوعية في شتى مجالات المعرفة. يتابع مجلة ننار من السويدين الساسة وهواة الاستشراق و كل من يبحث في أدراج تفكيرنا، ربما خوفاً او ريبة او فضولا! لكن ما يحفزنا على الاستمرار هو إصرار المكتبات السويدية على تسلم أعداد المجلة ووضعها في أماكنها وسؤالهم عن المجلة بين الحين والاخر وارسال دعوات لحضور اجتماعاتهم عن الحياة الثقافية في السويد. بمعنى آخر هناك عيون تقرأ وتتابع بصمت وتريد المزيد.
نحن منذ البداية خصصنا برنامجا ثقافيا حقق نجاحا ملحوظا في هذا المعنى تمثل في إقامة ليالٍ ثقافية في أشهر المكتبات السويدية ومنها مكتبات (مالمو ولوند وبورلوف وايسلوف وترليبوري)، وهذه هي مدن الجنوب السويدي وانتقلنا الى مكتبة شيستا في العاصمة السويدية ستوكهولم وعبرنا الحدود واقمنا امسية جميلة في مكتبة الدورادو في العاصمة النرويجية اوسلو. في هذه الاماسي يحضر العرب والسويديون والنرويجيون وتعمدنا ان تكون تلك الاماسي باللغة السويدية والعربية ونعرض فيها افلاماً مترجمة ونقاشات مصاحبة للترجمة الفورية. كما ان معظم الشخصيات السياسية ورؤساء الأحزاب السويدية ومحافظ المدينة واعضاء البرلمان، كانوا في ننار ضمن سلسلة الأمسيات الثقافية كما حضر الكثير من الفنانين والمثقفين والمستشرقين السويديين إلى نشاطاتنا التي أصررنا ان تكون باللغتين العربية والسويدية ومصاحبة الأفلام المترجمة أيضا وهو ما شجع الكثير من السويديين لحضورها والتفاعل معها.
* كلمة اخيرة نختم فيها الحوار مع الدكتورة العراقية اسيل العامري المتألقة بالثقافة والابداع التي تعبر عن لغة المشاعر الانسانية في المهجر؟
ـ اقول ان الحياة فرصة لترك اثر ناصع لمن يريد ذلك اما العيش على الهامش واللوذ باذيال الفرص فهو ديدن الكسالى والخائفين. عدم التردد في اظهار بريق ثقافتك والبحث عن مواجهات جمالية يمكنها ان تثبت قدمك في الارض الوعرة. انا انظر للحياة من عقل مفتوح وقلب يخشى سرعة الوقت. لكم محبتي جميعا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى