النسخة الرقمية

الموت خير واعظ

عن أمير المؤمنين عليه السلام: «وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ… وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلَا رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَلَاعَثْرَةً تُقَالُونَ»..يؤكّد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنّ الإنسان في هذه الدنيا مسافر، وسيرحل عنها إلى داره ومقره، حيث قال: «وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالِارْتِحَالِ وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ»..إنّ شوق اللقاء والأنس بالموت لمن أبرز صفات الأولياء. وهذا الشوق نراه في أمير المؤمنين عليه السلام حيث كان يقول: «وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ»5 ويقول أيضاً: «وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ»6 ويقول تارة أخرى: «وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ»..ولمّا بشّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادة، وسأله عن صبره حينذاك قال عليه السلام: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ»وهذا الخُلق تجسد في أولاده وأحفاده، ولذا نرى القاسم ابن الإمام الحسن عليهما السلام في كربلاء رابط الجأش مستبشراً ببشارة الشهادة وقائلاً لعمه الحسين عليه السلام لما سأله عن الموت: «يا عم أحلى من العسل»، وهكذا كان أصحاب الحسين عليه السلام حيث وصفهم بقوله: «يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن أمّه»ويركّز أمير المؤمنين عليه السلام في استذكار نِعَمِ الله تعالى في الجنّة، فيقول: «شوّقوا أنفسكم إلى نعيم الجنّة تحبوا الموت وتمقتوا الحياة»…إنّ من أهم دواعي التنفير من الدنيا والتزود للأخرى ذكر الموت. قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للإمام الحسن عليه السلام: «يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُأَزْرَكَ، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ». ويقول أيضاً: «طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَاد،َ وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ»..ويوصي عليه السلام المسلمين عموماً ويقول: «وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ» وأيضاً: «أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ». إنّ من نتائج الانغمار في ملاذ الدنيا نسيان الموت، رغم ما نرى من كثرة الموتى حولنا، فكأنّ الموت فيها على غيرنا كُتب. وهذه آفة لا بدّ أن نتخلص منها ونتيقن بأنّنا ميتون. وتقريراً لذلك يذكر أمير المؤمنين عليه السلام شواهد ممن مات من الأنبياء والعظماء ويقول: «فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عليه السلام الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِا لدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً».بعدما قررنا قلوبنا بالفناء، وأثبتنا لها الموت وسرعة حلوله، لا بدّ أن نستعد له ونأخذ حذرنا منه، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا، فَإِنَّ اللَّهَسُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ… وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْغَداً».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى