لماذا أغلقت أمريكا قنصليتها في البصرة ؟

ابو رضا صالح
اغلاق أميركا قنصليتها في البصرة وان تم تبريره بذريعة وجود تهديدات من قبل ايران والعناصر الموالية للجمهورية الاسلامية الايرانية ولكن المؤشرات تكشف عن وجود أسباب أخرى خلف الكواليس. قبل نحو شهرين، تصدرت النشرات الخبرية والاعلامية، انباء عن تعرض المراكز الدبلوماسية الاميركية في العراق لهجمات. وبما ان هذه الهجمات لم تسفر عن اي اضرار فقد رأى البعض ان الهدف منها توجيه تحذير الى الجانب الاميركي ليكف عن التدخل في الشأن العراقي. طبعا كما هو الحال والمتعارف عليه فقد تم توجيه اصابع الاتهام لإيران في هذه الهجمات. في غضون ذلك تعرضت القنصلية الايرانية في البصرة الى هجمات مماثلة بل أشد قسوة أسفر عن أضرار كبيرة، إلا انه تم ترميمها بمساعدة ابناء الشعب العراقي. ولكن ان تقوم اميركا بإغلاق قنصليتها في البصرة بعد مضي أكثر من شهر على تلك الاحداث فهذا أمر يثير الكثير من التساؤلات. النقطة الاولى في هذا المجال، يبدو انها تتجه نحو الوتيرة المتسارعة لإعادة هيكلة العراق لمؤسساته القانونية والحكومية. نظرة خاطفة على اوضاع العراق بعد الانتخابات تشير الى ان اميركا كانت تشعر بقلق شديد حيال نتائج الانتخابات، ولذلك فأنها كانت تسعى من خلال عرقلة مشروع اعادة «ترتيب البيت السياسي» في العراق الى التأثير على عملية تشكيل البرلمان وبالتالي حسم مسألة تشكيل الحكومة واختيار رئيس الجمهورية لصالحها. تحميل عملية اعادة فرز الاصوات على العراقيين واستغلال الاضطرابات في جنوب العراق لاسيما مسألة البصرة وبالتالي العمل على تقديم الشخصيات السياسة الموالية لها بوصفهم النخبة، هي بعض الخطوات التي قامت بها أميركا في اطار هذا السيناريو. الجميع يتذكر بان مساعد وزير الخارجية الاميركي استقر في العراق وبذل ما بوسعه ليرسم الصورة السياسية المستقبلية للعراق وفق هواه، تلك المحاولات التي باءت بالفشل في أولى مراحلها اي اختيار رئيس البرلمان. النقطة الثانية في هذا المجال هي انه وفي حين الظروف تشير بحسب تكهنات المحللين الى حسم مسألة رئاستي الجمهورية والوزراء وانه سيتم حسم الامر نهائيا، يبدو ان اميركا باتت تشعر باليأس حيال مستقبل العراق أو على اقل تقدير خلال الاعوام الاربعة المقبلة، ولذلك فأنها ومن خلال اغلاق قنصليتها في البصرة تحاول توجيه رسالة مفادها انها تشعر بالاستياء مما يجري في العراق. يشار الى انه برغم ان العراق في الوقت الراهن لا يخضع للاحتلال الاميركي إلا ان هذا الامر لا يعني خروجه من العقيدة الاستراتيجية الاميركية. النقطة الثالثة هي ان الاطماع الاميركية في العراق مازالت قائمة برغم ان الشعب العراقي صدمها بـ»لا» كبيرة في الانتخابات من خلال الاقبال على شخصيتين مناوئتين لأميركا اي السيد مقتدى الصدر وهادي العامري. الاخذ بنظر الاعتبار لهذه الحقيقة الى جانب فشل واشنطن في ادارة عراق ما بعد الانتخابات ادت بها الى اظهار اخر ما في جعبتها على وفق السيناريو الذي وضعته للعراق ألا وهو تقديم نفسها على انها الضحية المظلومة وان ايران وأنصارها هم الذين يزعزعون أمن العراق، في خطوة منها لكسب ود المجتمع الدولي لدعمها وتعبئة سائر الدول الاخرى ومواكبتها للاحتجاج على الوجود الايراني في العراق. النقطة الرابعة والأخيرة في هذا المجال هي ان اعلان اغلاق القنصلية الاميركية في العراق جاء مباشرة بعد المواجهة بين ترامب و روحاني في الامم المتحدة. كما ان هذا الاعلان واكب تشكيل الجلسة التمهيدية الاولى لتشكيل «الناتو العربي» المعادي لإيران في نيويورك والذي عقد بحضور بومبيو ونظرائه في الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي الى جانب وزيري خارجية الاردن ومصر تحت عنوان «الائتلاف الاستراتيجي في الشرق الاوسط». وأخيرا ومن جهة ثالثة فان هذا الاعلان يأتي في الظروف التي مازالت ايران ترفض الرضوخ للعقوبات الاميركية. جميع هذه الامور الى جانب الهزيمة في سوريا ولبنان واليمن في ظل التوجهات الدبلوماسية تشير الى ان الهدف من اغلاق القنصلية هو ممارسة الضغط على الشعب العراقي بسبب انتخابه. وطبعا على الجماهير الموالية لمحور المقاومة وكما هو شأن الدول الاخرى ان تستعد لأنه في حال المضي قدما في هذا المسير ومعارضة التطلعات الاميركية ستختبر اوضاعا مماثلة. عرقلة عملية تشكيل الحكومة في لبنان، استمرار العداء برغم بلورة عملية سياسية لتسوية قضية ادلب في سوريا وبالتالي الدعم المفتوح لتحالف العدوان السعو-اماراتي في اليمن، جميعها أمثلة واضحة على هذا التوجه.



