اراءالنسخة الرقمية

إسلام سوريا و إسلام السعودية

نور الدين أبو لحية
لم نرَ علماء سوريا الرسميين يدعون إلى الجهاد في أفغانستان أو الشيشان أو الصومال، بل لم يُستثمروا من طرف الجهات الرسمية إلا في الدعوة للجهاد في فلسطين، وخاصة إبان الحروب التي جرت بين سوريا والكيان الصهيوني، وما أكثرها. الخلاف في الحقيقة ليس فقط بين الإسلام السعودي والإسلام السوري، وإنما بين الإسلام السعودي وجميع القراءات الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي مع إن الإسلام واحد إلا أن هناك قراءات مُتعدّدة له، وقد تتبنّى الأنظمة الحاكِمة بعض تلك القراءات، وحينها ينسب الإسلام إليها، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نرى مجموعة كبيرة من الإسلامات تمثل كل دولة أو منطقة من مناطق العالم. وبناء على هذا يمكننا أن نرى مجموعة من الفوارق بين الإسلامَين السعودي والسوري، ذلك أن الحرب التي قامت على سوريا لم تُستعمَل فيها الأسلحة العسكرية فقط، وإنما استُعمِل فيها كذلك سلاح الدين..وكما كان الصراع فيها بين الجيش السوري وحلفائه وبين العصابات الإرهابية ومَن يساندها، كذلك كان هناك صراع بين الرؤية السورية الرسمية للإسلام ؛ فالإسلام السعودي يتبنّى القراءة الوهابية للإسلام، والتي تنطلق خصوصاً من مدرسة أبن تيمية، والتي ترى أن أكثر الدول الإسلامية دول مُشركة، لوجود الأضرحة ومقامات الأولياء فيها، ولكونها لا تزال تتوسّل إلى الله تعالى برُسله وأوليائه، ولا تزال تمارس السلوك الصوفي، وهو سلوك مُبتدَع، بل كافر عند المدرسة الوهابية. ولذلك فإن الوهابية بمشايخها وعُلمائها ووعّاظها، بل حتى بهيئاتها الدينية الرسمية تنظر للإسلام السوري، كما تنظر إلى الإسلام الجزائري والمغربي والمصري، بكونه كفراً وشركاً مغلّفاً بغلاف الإسلام، ولهذا، فإن تكفيرها لعلماء سوريا، والشام جميعاً، ليس وليد فترة الأسد الأب أو الأسد الإبن، بل هي قبل ذلك بكثير. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية حاكِمة على أكثر بلاد الإسلام صدرت الفتاوى الكثيرة من لدن مشايخ الوهابية بتكفيرها، لا بسبب حُكمها المستبد، وإنما بسبب انتشار الأضرحة بينها، وقد سُئِل الشيخ عبدالله بن عبداللطيف (1339هـ) عن حُكم مَن توقّف في تكفير الدولة العثمانية، فأجاب: (من لم يعرف كفر الدولة العثمانية، ولم يفرّق بينهم وبين البُغاة من المسلمين لم يعرف معنى لا إله إلا الله، فإن اعتقد مع ذلك أن الدولة العثمانية مسلمون فهو أشد وأعظم، وهذا هو الشك في كُفر مَن كَفَر بالله وأِرك به، ومن جرّهم وأعانهم على المسلمين بأية إعانة فهي ردّة صريحة). وهذه التهمة وحدها كافية في إثبات شمولية التكفير السلفي لكل المسلمين، بل حتى أحباب سلفهم الأُول منهم، بل حتى أحباب أبن تيمية نفسه، لأنهم جميعاً، وفي كل العصور، وفي كل الأماكن يعظّمون مَن يعتقدون ولايته، وإذا مات يبنون على قبره ضريحاً، ويظلّون يزورونه، وقد يُقيمون المناسبات التي تسمّى الموالد تذكيراً به. وقد أشار الشيخ علي بن أحمد الحداد إلى هذا التكفير الذي مارسته الوهابية على جميع بلاد العالم الإسلامي، فقال: (ومَن قال بكفر أهل البلد الذي فيه القباب وإنهم كالصّنم فهو تكفير للمتقدّمين والمتأخّرين من الأكابر والعلماء والصالحين من جميع المسلمين من أحقاب وسنين).

يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى