اراءالنسخة الرقمية

انتخابات كردستان .. فتور الأحزاب و قلق الناخب

محمود الهاشمي
على الرغم من قرب موعد الانتخابات التشريعية في إقليم كردستان في الثلاثين من أيلول الجاري إلا ان الزائر للإقليم لا يرى ايما حماس لدى الشعب الكردي هناك , سوى وسائل الاعلام الناطقة باللغة الكردية والتي تحرك الشارع لانتخاب هذا الحزب أو ذاك , وسوى اللوحات التي تنتشر على طول الشوارع العامة للتعريف بهذه الشخصية أو تلك , فيما تشهد مجاميع من الفتيات الكرديات وهن يطرقن الابواب لتوزيع فولدرات «مطويات» على الاسر لغرض انتخاب بعض الشخصيات أو توزيع باقات الورد الابيض أعلانا للسلام .
فقدان الحماس ليس على مستوى الشعب الكردي فقط , بل لدى الاحزاب هناك, فمع أن السباق في انتخابات برلمان كردستان أكثر أهمية ومصيرية بالنسبة إلى الأحزاب في إقليم كردستان بأضعاف أهمية انتخابات 12 أيار لمجلس النواب الاتحادي، لكن أغلب هذه الأحزاب تعاملت بفتور ايضا حدا أن بعض هذه الاحزاب -والى حد قبل شهر تقريبا -غير متأكدة , في أن الانتخابات ستجرى في موعدها المحدد. أما الاسباب وراء ذلك فنعتقد أن مرده يعود الى:-
1- تاريخ الخلاف بين الحزبين الرئيسين «البارتي و الاتحاد» والذي يمتد الى عام 1963, وهو خلاف شهد معارك دامية ولولا التدخل الاميركي البريطاني في تسعينيات القرن الماضي لما كان اللقاء بينهما. كما أن مرحلة ما بعد عام 2003 لم تحل الخلاف بل تركت ادارة السلطة وتداولها بين الحزبين مشاكل عديدة ايضا إذ مازال مسعود بارزاني يعتقد أن كركوك سلمها «الاتحاد الوطني» الى الحكومة الاتحادية ومازال يسمّي هؤلاء بـ»الخونة».
2- أزمة الاستفتاء , خلقت إحباطا كبيرا لدى الشعب الكردي, حيث سجلت جميع الشعارات وثقافة الانفصال والشخصيات التي دعت لها مراجعة شاملة في ذهن المواطن وما عادت تثق بدعاتها.
3- فقدان الثقة بـ»العامل الاميركي» على أنه الراعي لحقوق الشعب الكردي وتطلعاته وهو يرى خذلانه لمشروع الاستفتاء .
4- الازمة التي أعقبت الاستفتاء كشفت عن ضعف أدارة السلطة في الاقليم من الاحزاب والشخصيات الحاكمة كونهم لا يملكون استراتيجية وطنية في التعاطي مع الواقع , حيث ظهر حجم الفساد الاداري والمالي الضارب في مفاصل الحكومة واستيلائها على موارد النفط والشركات وغيرها. كما لا ننسى أن احزابا وقفت أمام مشروع الاستفتاء ورأت فيه مغامرة في غير موعدها مثل كتلة التغيير .
5- أثرت العقوبات التي أعقبت الاستفتاء على حياة المواطنين في محافظات الاقليم , وانعكست على واقعهم اليومي, مثلما خلقت لهم نقمة من الاحزاب الحاكمة .
6- يأس الشعب الكردي من أن دول الجوار وخاصة تركيا, ستقدم لهم ما ينفع بل هذه الدول تعمل لمصالح دولها لا غير, وأن ما كانت تقوم به من تشجيع قيادات الاقليم للتمرد على الحكومة الاتحادية لمجرد اضعاف دولة العراق.
7- ظهور احزاب جديدة سواء تلك التي انشقت عن أحزابها الرئيسة أو من التشكيلات الجدية والتي باتت منافسا قويا في الانتخابات .
8- ظهور جيل جديد من الشباب الذي يبحث عن حياة مستقرة بعيدا عن الاحزاب «العجوز» التي بات يرى فيها مجرد صانعة للازمات .
9- شعور المواطن الكردي بأن الانتخابات لن تأتي له بالجديد وأنه أمام ذات الاسماء والعناوين وسيطرة الأحزاب الرئيسة على السلطة , فهم من يملك وسائل الاعلام والمال , وفوق ذلك أن الدوائر الحكومية وما ملكت هي رهن نفوذ الاحزاب التي ستدفع موظفيها الى انتخاب هذه الشخصية أو تلك, وإلا سيتعرض لمشاكل ادارية , ثم ان القوات الامنية بالإقليم تابعة للأحزاب وبذا تنتخب قياداتها .
10- الفاصلة الحضارية والثقافية بين أربيل والسليمانية , فأبناء الاخيرة لا يرغبون أن يكونوا تحت امرة أربيل التي هي أقل منهم حضارة .
هذه الاسباب وغيرها هي التي جعلت المواطن في الاقليم غير متفاعل مع الانتخابات ونتائجها , لكن الساحة السياسية الكردية تحتاج الى وقفة , فالإقليم يشهد تحركا سياسيا يخرجه عن نمطيته التي عاشت معه لعقود , فهو شعب يريد أن يهبط من الجبل الى السهل ليتفاهم ويحاور ويرسم مستقبله بيده بعيدا عن قادة الحرب من المحاربين القدامى , وبات يتفهم أن خارطة الاقليم «شمال العراق» محاطة بخصوم لأي مشروع انفصالي وأنها منطقة «حبيسة» بلا منفذ مائي, مثلما أدرك أن الارادات الدولية لا امان لها فهي سرعان ما تخذل أصدقاءها كما أن العدد الكبير من النازحين الذين سكنوا الاقليم خلال فترة المعارك ضد الارهاب وغيرها , خلقوا اجواء من التفاهم والتعايش , ناهيك عن اهمية السياحة في بعدها المالي والاجتماعي ايضا حيث يتدفق الالاف من العراقيين الى الاقليم في موسم الصيف, فالشعب الكردي لا يرى في اخوانه العرب خصوما انما بعض الاحزاب الراديكالية هي من تسعى الى ذلك , وأتذكر أن اربعين محللا سياسيا وأستاذا جامعيا أحدهم «أنا» زرنا السليمانية بدعوة من الاتحاد الوطني الكردستاني في أخريات حكم المرحوم طالباني وكانت الضيافة محط تقدير كبير لنا , يرافقنا فيها الدكتور برهم صالح , بعدها زرنا أربيل , وفيما نحن في غرفة تجارة أربيل بدعوة من الحزب الديمقراطي الكردستاني بانتظار تناول طعام العشاء , ومعنا بعض النواب وأعضاء من كلا الحزبين , وإذا بأحد أعضاء الديمقراطي من كبار السن يفاجئنا بخطبة أقل ما فيها «انكم العرب غير مرحب بكم في الإقليم» وراح ينال من العرب والعروبة وبأن التأريخ العربي وحتى اللغة العربية لا قيمة لها لولا العقل الكردي !! والمشكلة أنه حفز أحد الشباب من الحزب لينال في حديثه أكثر , فيما لم يرد عليه أحد من النواب ومنهم «طه شواني», لكن هناك من أزعجه هذا الحديث وأعتذر , وقال هذه «مزايدة» !! على العكس من ذلك فقد تجولنا في شوارع اربيل وجلسنا في مقاهيها وقد تعرف علينا كثيرون من عامة الناس , ودعونا للضيافة فيما طالبوا أن يتخلصوا من الاحزاب التي أقفلت الحياة عليهم . الخارطة السياسية في الاقليم الان تغيرت كثيرا , و واحدة من أهم تجلياتها البحث عن الشخصيات السياسية التي تحسن التفاهم مع بغداد , وليس كالسابق حيث كان الاختيار لشخصيات تفهم العراق في حدود الاقليم ومصالحه الخاصة , وهذا الامر ربما ستكشفه نتائج الانتخابات التشريعية في الاقليم قريبا . كما كشفت عنه تداعيات اختيار رئيس الجمهورية التي تجري الان حيث السعي الى اختيار شخصية تستطيع أن تحمل مشروعا وطنيا لكل العراقيين , وان لا تكون وسيلة لخلق الازمات , وأن نموذج السيد معصوم كان عبرة كبيرة , في الوقت نفسه علينا ان ندرك أن ترك المشروع السياسي محاصرا بيد أحزاب بعينها , وان يترك أمر الانتخابات الى حكومة الاقليم لوحدها , والى مفوضية الانتخابات التابعة للإقليم , والقوات الامنية المتحزبة أمر, فيه ضرر على البلد بشكل عام , فالإقليم جزء من العراق وما يقع على شعبه يقع على الجميع , لذا يقضي المراقبة والمتابعة ورصد العملية الانتخابية كجزء من العمل الوطني , وليس تدخلا في جوهر الانتخابات .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى