النسخة الرقمية

الإمام الحُسين «عليه السلام» قدوة المصلحين

اذا كان الصدق مرد أشتات الفضائل وكرائم القيم فان الجود بالنفس من اسمى مظاهر الصدق الذي لا يلبس ثوباً من رياء. ولا يحتمل شوباً من سمعته واذا لم يكن من الموت بد، ولا من شراكه وحبائله مهرب، فالصفقة الرابحة ان تشتري بهذا العمر المحدود فخراً عالياً وذكراً ممدوداً كذلك الشهداء الذين آلوا ليبيعوا انفسهم الغالية بثمن غالٍ هو خير الامة وسؤددها وعزها وافلاتها من الأسر ونجاتها من ظلم الظالمين..فسيد هؤلاء الشهداء المصلحين، سيد شباب اهل الجنة ابو عبد الله الحسين بن علي عليه السلام..فلقد رأى سلام الله عليه سفينة الدين تضطرب بها الأمواج فيتولى قيادتَها ربانٌ ليس من كفايات القيادة في شيء قليل او كثير، رأى كرسي النبي (صلى الله عليه وآله) يستأثر به ويتربع عليه فتى فاجر عاهر متجاهر قد طبعته بيئته وتربيته على شمائل ينبو بها الخلق، ويصدم بها الدين، ويضيق بها صدره الرحيب.وها هو ذا مقبل على دنياه، حائد عن السنن، منصاع الى صبوانه وشهواته، مشغول بقروده وفهوده، ينقض باعماله المنكره هدى الكتاب والسنة، وينكر بملء فيه امر الحساب والعقاب، أمامه بيت المال تنصب فيه سيول الجباية والخراج والجزية فيشرق بالصفراء والبيضاء تسعى من كل فج فينفق منها ما شاء في تلبية مجانته، واشباع غروره، وتمكين الامر لنفسه وحاشيته واستتب له الملك، واندرج طائفة من الناس بالجاه والمنصب والمال، واخذ جمهور المسلمين بالقوة والعنت فدانوا له مكرهين،وأريد لأبي عبد الله عليه السلام على ان يبايع يزيد، فيبيع ريحانة رسول الله نفسه لهذا الفاسق المارق الذي آثر هواه، وخرج من عز طاعة الله الى ذل معصيته، واصغى الى نوازعه واطماعه فتطاول على ابن بنت رسول الله وبقيته في الناس، ومن احواله صنايع امية من عفاة المال من اشباه الرجال يظاهرون عدوه وعدو جده رسول الله، ويتجنون على دينه مبتدعين ومخترعين ويجترئون على مقام ابيه مجاهرين غير متذممين، ويزيد يعلم ان الحسين قبلة الناس، إليه تشخص الإأبصار، ونحوه تهفو القلوب فهو سيد معاصريه من المسلمين غير منازع، وهو وارث الحسن وعلي والنبي، فكيف السبيل الى الحيلولة بينه وبين الناس؟السبيل الى ذلك ان يبايعه الحسين راضياً او مكروهاً فيأمن السرب بعده. وينام هادئ النفس وقرير العين. وها هو ذا يستدرجه عن طريق عماله وولاته ليمد له بالبيعة يداً صاغرة زعزعها الجبن وارعشها الوعيد، وكفكف من شرتها صرامة السلطان المتظهر بالسلاح والعتاد، ولكنه ولا يضرب الا في حديد بارد لا ينفخ إلاّ في رماد..فخرج الحسين على يزيد وابن زياد لا يلتمس ملكاً ولا يطمع في جاه ولا يطمع الى زعامة، وانما خرج على الباطل المزهو والشر المجند، ليستأثر للدين المجفو والحق المجرد، فجلجل بصرخته الداوية بين عجيج الباطل ليدرأ عن امة محمد وابتاع محمد ذلا كاد يلحق بهم من حيث يشعرون او لا يشعرون وهكذا نزل (عليه السلام) للدين عن نفسه واهله وصحبه راضياً مختاراً..ان العناية الالهية هي التي هيأت حسيناً وآل حسين وصحب حسين لهذا اليوم فلولا هم لدرست معالم الدين ولمحقها يزيد وشركائه فلم يتركوا لها عيناً ولا اثراً. وقد كان الحسين يعرف آله وصحبه ويعتد بهم ويعلم ثباتهم في الهيجاء وصبرهم على المكاره وصدق بلائهم عند اللقاء وحرصهم على الشهادة بين يديه او قل بين يدي الدين الماثل في شخصه..وكان (عليه السلام) قوياً على الاحداث لا يهن ولا يستكين، بعيد النظر الى ما وراء هذه الدنيا واشياؤها واهواؤها، يسمع نداء الحق بين اخباء نفسه فيستجيب للنداء مستصغراً شأن الحياة مستصغراً شأن الموت غير ناظر الى شيء الا الحق الذي امتزج بلحمه ودمه.ينظر عليه السلام كل ذلك وهو يتلوى من شدة الصدى ويقاسي من حر الظمأ ما لا يكون معه بال حاضر، ولكن الحسين حاضر البال جميع الرأي رابط الجأش تزول الجبال ولا يزول يلين الحديد ولا يلين، يستجيب لهذا الصوت الألهي الذي يستصديه على أئمة الضلال واتباعهم فيشد عليهم فاذا هم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى