اخر الأخبارثقافية

“أسد البصرة” قراءة عميقة ومركبة لإشكالية الهوية في العراق

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد حمدي العطار أن  رواية “أسد البصرة للكاتب ضياء جبيلي تمثل قراءة عميقة ومركبة لإشكالية الهوية في العراق، من خلال سرد يتداخل فيه التأريخي بالرمزي، والواقعي بالغرائبي.

وقال العطار في قراءة نقدية إن” الرواية العراقية المعاصرة تشكل مرآة حساسة للتحولات العنيفة التي شهدها المجتمع، ولا سيما فيما يتعلق بإشكالية الهوية وتصدعاتها تحت وطأة التأريخ والسياسة. وفي هذا السياق، تبرز رواية «أسد البصرة» للروائي ضياء جبيلي بوصفها عملاً سردياً يتوغل في عمق هذه الإشكالية، مستندا إلى فضاء مدينة البصرة بوصفها نموذجا مصغرا للعراق بتعدديته وتناقضاته، حيث تتداخل الهويات وتتصارع الذكريات وتتشابك المصائر”.

وأضاف أن” جبيلي يقسم روايته إلى ثلاثة أقسام زمنية تمتد من الاحتلال البريطاني للعراق بعد الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى احتلال عام 2003 من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، واضعا بذلك إطارا تأريخيا واسعا تتكثف داخله أسئلة الهوية والانتماء”.

وتابع أن” الكاتب اختار مدينة البصرة مسرحا لأحداثه، بوصفها فضاءً احتضن عبر تأريخه تنوعا دينيا وعرقيا لافتا، حيث تعايشت جماعات مختلفة، وشهدت علاقات إنسانية عابرة للهويات المغلقة، بما في ذلك الزيجات المختلطة ومن خلال هذا التنوع، يستحضر السارد مآسي جماعات تأريخية تعرّضت للإبادة والتهجير ويجسد ذلك عبر ثلاث شخصيات نسائية تتنافس، بشكل رمزي، على تمثيل “الأكثر معاناة”، في محاولة لطرح سؤال مركزي: هل يمكن قياس الألم الإنساني أو المفاضلة بين المآسي؟”.

وأشار الى أن” هذه الأزمة تصاعدت في ظل الاحتلال الأمريكي، حيث يجد البطل نفسه أمام خيارين: الهجرة بحثا عن الأمان، أو البقاء ومواجهة مصير مجهول. تضغط عليه عمته للهجرة الى الخارج، بينما تدفعه خالته الأرمنية نحو أرمينيا، في حين يتمسك هو بالبقاء في العراق، متشبثا بهوية لم يحسم أمرها بعد، وهنا تتحول الهوية من معطى ثابت إلى سؤال مفتوح، يتجاوز الانتماء ليصل إلى معنى الوجود ذاته”.

وواصل :”على المستوى الفني، ينجح جبيلي في المزج بين التأريخي والغرائبي، مستثمرا رمز “أسد بابل” بوصفه استعارة حضارية تعكس قوة العراق وتأريخه العريق، وفي الوقت نفسه هشاشته أمام التحولات،ويعتمد السارد تقنيات سردية متعددة، منها تداخل الأزمنة، وتعدد مستويات الوعي، وخلخلة المنطق الواقعي عبر إدخال عناصر عجائبية، كما في مشهد عودة “أمل” من الموت، في تجسيد رمزي لفكرة الانبعاث أو الاستمرار رغم الفناء”.

وتابع :”أما من حيث الأسلوب، فيمكن توصيف تجربة جبيلي ضمن ما يمكن تسميته بـ”الواقعية البنائية”، حيث لا يسعى إلى تجميل الواقع أو تزويقه، بل يعمد إلى كشف قسوته وتفاصيله الصادمة، بما في ذلك اللغة الصريحة والمشاهد الحادة، وهو توجه يثير جدلاً نقديا بين من يعده ابتذالاً، ومن يراه ضرورة فنية لتمثيل الواقع كما هو، بكل تناقضاته وانكساراته”.

ولفت الى أن”بنية الرواية تكتمل عبر “الختام الدائري”، حيث يعود السرد إلى نقطة البداية، في تكرار حواري بين البطل وعمته اليهودية، يعيد طرح السؤال ذاته: الهروب أم المواجهة؟ وكأن الرواية تؤكد أن المأزق لم يُدحل، وأن البحث عن الهوية لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة”.”الدحل هو حفرة في الار ض”

وأكمل أن”رواية «أسد البصرة» تقدم قراءة عميقة ومركبة لإشكالية الهوية في العراق، من خلال سرد يتداخل فيه التأريخي بالرمزي، والواقعي بالغرائبي، لتكشف عن إنسان ممزق بين انتماءات متعددة لا يستطيع الفكاك منها. إنها رواية لا تبحث عن إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة مؤلمة حول الانتماء والذاكرة والمصير، مؤكدة أن الهوية، في سياق مضطرب كهذا، ليست معطى ثابتا، بل رحلة شاقة في البحث عن خلاص قد لا يأتي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى