مراسم عاشوراء تمتدُّ من كربلاء إلى لندن

الشيعة في مدن عربية وآسيوية يتشحون بالسواد إحياءاً لذكرى عاشوراء التي يحيونها بالمرثيات وتوزيع النذور والمأكولات على الفقراء. اعتاد المسلمون الشيعة على إحياء ذكرى عاشوراء سنويا، في دول عربية وآسيوية عديدة، حيث تقام سرادق العزاء في الشوارع مرفوعة عليها الأعلام، ووصلت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة إلى مدن أوروبية تعيش فيها الجاليات الشيعية من العراق ودول أخرى.
أحيا الشيعة في دول مختلفة من العالم ذكرى عاشوراء بطقوس ومراسم مختلفة، واتشحت الشوارع بالسواد في العراق وإيران والبحرين ولبنان وسوريا والسعودية، ومصر، وفي أنحاء كثيرة من تركيا وأذربيجان على الساحل الغربي من بحر قزوين في المنطقة التي تمتد من أذربيجان إلى القوقاز وتمر عبر تركمانستان وجميع المناطق المحاذية للحدود الشمالية لإيران، حتى وصلت إلى العاصمة البريطانية لندن. ويعدّ الشيعة هذه الأيام معنوية روحية يحيونها بالمرثيات وتوزيع النذور والمأكولات على الفقراء، وتملأ سرادق العزاء الشوارع والأزقة مرفوعة عليها الأعلام التي تتضمن اللون الأحمر بما يشير إلى الدماء.
وتبدأ مراسم عزاء الشيعة من الأوّل من محرّم وحتى العاشر منه، وتوزع خلال هذه المدة المياه والكعك الذي يُحضّر من الطحين والسكر واليانسون والزيت في الخيم والبيوت والمجالس، كما تقدم الهريسة أيضا على كلّ الموجودين، وبات هذا التقليد عادة تقام في سوريا ولبنان والعراق. ذروة الحزن تكون في اليوم العاشر من محرم، حيث ينقسم الناس إلى مجموعات مختلفة، جماعة تستذكر معاناة الحسين بارتداء الملابس السوداء وعزف والأناشيد والعروض والمواكب في الشوارع والميادين. وجماعة أخرى تجلد نفسها بالسلاسل على منطقة الصدر والظهر، وجماعة يرفعون أكفهم عاليا وينزلون بها جلدا على صدورهم دون استعمال أي أداة.
كربلاء تكتظ
يبلغ إحياء ذكرى عاشوراء ذروته في مدينة كربلاء بالقرب من ضريح الإمام الحسين وأخيه العباس «عليهما السلام» وسط المدينة، حيث تجمع الملايين من شيعة العراق بالمراقد والمساجد في كربلاء وأجزاء أخرى بالبلاد إحياء لذكرى يوم عاشوراء، وتوافدت حشود ضخمة من جميع أنحاء العالم لإحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين «عليه السلام».
ونشرت السلطات الأمنية عشرات الآلاف من عناصر الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمتطوعين وعناصر الحشد الشعبي لتأمين أجواء إحياء المناسبة في جميع مناطق المحافظات الشيعية، وذلك بمساندة من مروحيات الجيش.
وفي ساعات الصباح الأولى شرع الآلاف لإحياء المناسبة باللطم على الصدور والبكاء الشديد، وكان هناك من يقرعون الطبول. وقال أحد المشاركين ويدعى حيدر صباح، “الدم شيء قليل على الحسين.. كل شيء قليل على الحسين.. الحسين نقدم له أرواحنا.. نقدم كل ما نملك”، متابعا، “نقدم أرواحنا.. بيوتنا.. كل شيء نعطيه للحسين في سبيل الشفاعة يوم الورود”.
وأحيت المدن الإيرانية مراسم عاشوراء بمسيرات مليونية، وردد المشاركون القصائد والمراثي. وفي مصر، يتم سنويا إحياء يوم عاشوراء وبخاصة في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، ويتوسط المسجد ضريح يطلق عليه المصريون “قبة الإمام الحسين”، ويعود الاهتمام بهذه القبة إلى الاعتقاد بأن هذا الضريح يضم رأس الحسين. وداخل مسجد السيدة زينب في دمشق احتشد الآلاف من أهالي المنطقة، يؤكد الأهالي والمنظمون لمظاهر الإحياء هذه أن هذا اليوم لم يكن حكرا على فئة من الناس، إنما شارك فيه كل الشيعيين السوريين. وفي بيروت وبعلبك قام أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، بإحياء ذكرى عاشوراء وسط تدابير أمنيّة مُشدّدة تولاّها الجيش اللبناني على مداخل المدينة، وانطلقت مراسم إحياء المناسبة في ساعات مبكرة الخميس. وانطلق عشرات الآلاف من الضاحية الجنوبية لبيروت في مسيرات جابت شوارع الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية، وردّد المشاركون شعارات حسينية. وفي بعلبك، ومنذ ساعات الصباح الأولى، شارك أبناء بلدات وقرى بعلبك في مواكب اللطم متوافدين إلى مقام السيدة خولة بنت الحسين عند مدخل المدينة الجنوبي. وانطلقت مسيرة حاشدة بعد الانتهاء من تلاوة المصرع الحسيني، وجابت شوارع المدينة وقد شقت طريقها عبر السوق التجاري.
مخاوف في البلدان الآسيوية
في الدول الآسيوية أدى ملايين الشيعة طقوس الحداد إحياءاً لذكرى يوم عاشوراء وسط إجراءات أمنية مشددة في الكثير من الأماكن لحمايتهم من الهجمات الطائفية. ورفرفت الأعلام الحمراء والخضراء في الأحياء الشيعية بالعاصمة الأفغانية كابول، بينما وقفت جماعات مسلحة من المتطوعين تحرس المساجد والتقاطعات الرئيسة.
وشددت الشرطة الأفغانية ومجموعات من المتطوعين المدنيين المسلحين السيطرة على أنحاء كابول. ووقف مسلحون عند نقاط رئيسة في مناطق مثل دشت برجي في غرب كابول التي يقيم بها الكثيرون من أقلية الهزارة الشيعية.
وقال غلام يحيى، وهو متطوع يبلغ من العمر 22 عاما كان يقف في الحراسة حاملا بندقية كلاشنيكوف، “لو استدعى الأمر أن أضحي بحياتي من أجل سلامة أهلنا فلن أتردد”. وأضاف،”أعطتني الحكومة هذا السلاح، ولكن الكثير من المتطوعين حضروا بأسلحتهم الخاصة حتى بنادق الصيد لمساعدة قواتنا الأمنية لضمان سلامة شعبنا”.
وقال عارف رحماني عضو البرلمان الأفغاني، وهو من الهزارة، إن مهمة حماية نحو 400 مسجد شيعي في كابول وحدها تفوق قدرة أي قوة تطوعية، وأضاف أن الحكومة ليس أمامها أي خيار سوى السماح باللجان الشعبية. وفي بنغلادش التي يسكنها 160 مليون نسمة أغلبهم مسلمون، وحيث استهدف متشددون إسلاميون مزارات ومساجد شيعية خلال الأعوام القليلة الماضية، قالت السلطات إنها شددت الإجراءات الأمنية. وقال أسد الزمان ميا قائد شرطة العاصمة داكا، “رغم أنه لا يوجد تهديد محدد، فقد اتخذنا كل الإجراءات الممكنة لتفادي أي حوادث مفاجئة”. وقال حميان كبير وهو شيعي في المنطقة القديمة من داكا “هذه ليست مجرد طقوس، لكنها مناسبة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبناها في الماضي”.
وفي الهند، يستعد الشيعة لإحياء عاشوراء وقال نصير حسين أحد سكان إقليم كشمير “نعيد تمثيل معركة كربلاء ونريد أن نظهر أننا لو كنا هناك لحاربنا في صف الحسين وأسرته”. وعلقت السلطات الباكستانية، خدمات المحمول بشكل جزئي في عدد من المدن من بينها “كراتشي ولاهور وبيشاور”، وذلك كإجراء احترازي للحيلولة دون وقوع أعمال عنف خلال الاحتفال بحلول يوم عاشوراء.
أوروبا تحزن
بات الحزن بعاشوراء ظاهرة سنوية في الكثير من المدن الأوروبية، يشارك فيها حتى غير المسلمين، ففي لندن، اعتادت مساجد ومنظمات شيعية كل عام، على تنظيم استذكار عاشوراء، حيث تقام مجالس العزاء، تتخللها إقامة مرقد تقليدي للإمام الحسين للطوفان حوله والبكاء والنحيب واللطم.
وعادة ما تستأجر منظمات إسلامية شيعية مسارح وقاعات في عاشوراء وسط مدينة لندن لا سيما في “مآربل أرتش” في “الهايد بارك” لإقامة الاحتفالات إضافة إلى المراكز الإسلامية والمساجد. ويتوقع أن تقام مسيرة في شارع أكسفورد ستريت تحمل المرقد التقليدي. وفي ألمانيا ينظّم مركز “الحسنين” في برلين مناسبات سنوية في ذكرى عاشوراء، بحضور الجالية الشيعية العربية والآسيوية المقيمة هناك، فتجد العراقي إلى جانب التركي والإيراني والمصري والباكستاني وغيرهم. وفي مدينة كريستيان ستاد السويدية، يقوم المغتربون الشيعة كل عام برفع الرايات السوداء والخضراء في الأماكن التي ينظم فيها العزاء الحسيني. وفي الدنمارك، وبعد أن تحصلت الجاليات الشيعية، على موافقة السلطات لبناء مسجد “الإمام علي”، صار يتجمع العراقيون ومعهم أبناء الجاليات الأخرى لتنظيم مراسيم عاشوراء.
وفي هولندا التي توجد فيها أعداد كبيرة من الجاليات العراقية الشيعية، صار احتفال عاشوراء تقليداً سنويا يمارسه المئات من الشيعة، ففي مدينة لاهاي تنظم المسيرات بالمناسبة ويقصدها المغتربون الشيعة من مختلف أنحاء هولندا. وفي مسجد الإمام الرضا في العاصمة البلجيكية بروكسل، يجتمع سنويا المئات من المهاجرين الشيعة لتنظيم مراسم عاشوراء، وتبدأ المراسم منذ الأول من محرم، حيث يتشح المكان بالسواد والشعارات الدينية، إضافة إلى آيات من القرآن الكريم.



